اخويا عزم خطيبته 3

وقف الفريق الطبي حول عصام في . الأجهزة الإلكترونية كانت تصدر أصواتًا متسارعة، والدكتور يسلط الضوء الصغير على حدقة عينيه، بينما الممرضة تمسك بيده وتقيس النبض بصورة يدويّة مع مؤشرات الشاشة. كنت واقفة في زاوية الغرفة، ضامة نور إلى صدري بكل ما أوتيت من قوة، ونور واضعة وجهها في أحضاني، تتنفس بصعوبة وتهمس بصوت مرعوب: “يا رب بابا يصحى.. يا رب بابا يرجع معانا”.
فجأة، تحركت شفاة عصام اليابسة، وصدر منه صوت أنين خافت جداً، صوت بحة عميقة كأنه قادم من قاع بئر سحيق. فتح عينيه ببطء شديد، عيناه كانت زاغتين، لا تستقران على شيء، ترمشان بتعب ضد ضوء الغرفة الخافت.
الدكتور بابتسامة ذهول ونبرة هادئة قال له: “حمد الله على السلامة يا أستاذ عصام.. اهدى خالص، متتحركش، أنت في المستشفى ومعانا، كل حاجة بخير”.
عصام حرك حدقتيه ببطء شديد في أرجاء الغرفة، كأنه يسترجع ذاكرته المفقودة أو يحاول التعرف على العالم من حوله بعد شهر ونصف من الغيبوبة والظلام التام. خفت خطواته النظرية حتى وقعت عيناه عليّ وعلى نور. أول ما رآنا، اتسعت عيناه قليلاً، وضغط بأصابع يده اليمين – التي كانت ما تزال تحتضن يد نور الصغيرة – ضغطة خفيفة للغاية ولكنها كانت بالنسبة لنا بألف كلمة.
برأسي بدموع الفرحة والارتياح، وجريت خطوات صغيرة نحو السرير. انحنيت عليه وبست جبينه الساخن وأنا أبكي بصوت خافت: “حمد الله على سلامتك يا عصام.. الحمد لله إنك رجعت لنا، الحمد لله يا حبيبي”.
عصام حاول ينطق، شفايفه تحركت ببطء ونطق حرفين بصعوبة: “نـ.. نور..”.
نور رفعت رأسها وصعدت على كرسي صغير بجانب السرير، وحطت يدها على خده المخربش بلحية طويلة بيضاء لم أرها فيه من قبل، وقالت له بابتسامة وسط الدموع: “أنا هنا يا بابا.. أنا جنب أهو مش هسيبك خالص”.
عصام أغمض عينيه ودمعة سخنة سالت من زاوية عينه على خد نور، كأنه بيغسل بيها كل السواد والظلم والذنب اللي عاشه طوال الشهور الماضية.
مرت ثلاثة أيام في العناية المركزة، كانت من أصعب وأطول الأيام، ولكنها كانت محملة بالأمل. عصام كان يسترد وعيه بالتدريج، بدأ يتكلم بكلمات متقطعة، والأجهزة بدأت تتشال عنه واحدة ورا الثانية لحد ما تم نقله لأوضة عادية في الدور الثالث.
كنت بقضي اليوم كله جنبه، أنا ونور. أساعده في الأكل، أغيرله، وأمسح على رأسه. لكن رغم الاستقرار الطبي، كنت حاسة إن في حاجة غلط.. عصام كان هادي زيادة عن اللزوم. هدوء يرعب، مبيردش غير على قد السؤال، ونظراته دايماً متثبتة في السقف أو في الشباك. كان كل ما يبص لنور، عينيه تملأ دموع، يمد إيده يحضنها، وبعدين يسكت تماماً ويكتم جواها وجع أعمق من الجبال.




