اخويا عزم خطيبته 3

في ليلة من الليالي، بعد ما نور نامت على الكنبة الموجودة في أوضة المستشفى من كثر التعب، قعدت جنب عصام على السرير، مسكت إيده الباردة وقلت له بصوت حنون: “عصام.. أنت ساكت ليه؟ الدكتور قال إن جسمك بيستجيب للعلاج ومجرد ما نطمن على الحركة والرجلين هنقدر نرجع البيت.. ليه حاساك بعيد وعقلك شغال في حاجة تانية؟”.
عصام حرك رأسه ببطء ونظر إليّ، عيناه كانتا مجهدتين جداً، وقال بصوت مبحوح: “أنا مش قادر أنسى يا فضل.. كل ما أغمض عيني بفتكر يوسف وهو طالع فوق الكنبة، وبفتكر اليوم اللي خرجت فيه من عقلي وكنت عايز أرمي بنتي.. أنا كنت مجنون يا فضل، كنت وحش! إزاي هبص في وش نور لما نرجع البيت؟ إزاي هبص في عينيكي وأنتِ شفتيني وأنا بظلم بنتي وأردد كلام الدار؟”.
دموعي نزلت وقربت منه أكتر وقلت له بنبرة قوية مليانة حب وإيمان: “عصام.. أنا عرفت كل حاجة. الحاج عبد الجواد جالي المستشفى وحكالي على كل حاجة.. حكالي عن ، وعن السر اللي شلته لوحدك وما رضيتش تكسرنا بيه، وعن الشراكة اللي اتدمرت. أنا عرفت إنك ما كنتش بتكره نور.. أنت كنت بتهرب من ذنب مش ذنبك، وكنت فاكر إنك السبب في اللي حصل ليوسف!”.
عصام اتصدم، عينيه وسعت بذهول وشهق بصوت مكتوم: “عبد الجواد؟! عبد الجواد حكالك؟!”.
قلت له وأنا بأومئ برأسي: “أيوة.. حكالي يا عصام. وعرفني قد إيه أنت ضحيت وتحملت في صمت عشان تحمينا وتكتب الشقة باسمي وتواجه الناس دي لوحدك. أنت مش وحش يا عصام، أنت أب انكسر قلبه، ونور عارفة ده ومسامحاك من كل قلبها.. يوسف الله يرحمه في مكان أحسن، وعايزنا نعيش ونحمي نُور ونعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها”.
عصام غطى وشّه بإيديه الاثنين وانفجر في بكاء هستيري، بكاء راجل شال جبل فوق كتفه لسنين وأخيراً الجبل ده وقع وهبط. قعد يتنفض ويبكي بحرقة، وأنا أخذته في حضني وبقيت أطبطب عليه وأمسح على دهره وهو يكرر: “سامحوني.. يا رب سامحني يا رب.. أنا ظلمت البنت، أنا كنت بأفكاري!”.
النحيب بتاعه صحى نور من النوم. البنت قامت مخضوضة، ولما شافت أبوها بيبكي في حضني، جريت على السرير وحضنته هي كمان من الناحية الثانية وبقت تبوس إيده وتقول له: “خلاص يا بابا متعيطش.. أنا بحبك، والله بحبك ومش زعلانة منك أبداً”.
اللحظة دي كانت هي نقطة الشفاء الحقيقية لعصام، مش العلاج ولا الأدوية، بل التسامح والحب اللي نزل على قلبه كأنه بلسم.


