اهلى طردونى حكايات صافي هاني

أبويا وأمي رموني أنا وابني اللي عنده ست سنين من العربية الساعة 2 بالليل في عز الكُحل، على طريق صحراوي صهد ويقرس من البرد، ومفيش صريخ ابن يومين حوالينا. أمي كانت مبتسمة والعربية بتختفي بنورها الأحمر في الضلمة، وأبويا اتعامل كأننا مفيش، كأننا متنا خلاص. افتكروا إنهم قفلوا كتاب حكايتنا الليلة دي… بس وحياة ربنا، كانوا غلطانين غلط عمرهم.
الساعة كانت 2 وثلث بالدقيقة، على حتة مقطوعة من طريق الصعيد الصحراوي برة المنيا، أبويا كبس فرامل فجأة لدرجة إن راس ابني “علي” خبطت في ضهر الكرسي اللي قدامه.
قال لي ببرود: “انزلي”.
لثانية واحدة، قولت يمكن سمعت غلط. الصحراء وراء الإزاز كانت سحابة سودا مالهاش آخر، مفيش غير النور العالي بتاع العربية وخطوط الأسفلت البيضاء. يافطة الرطوبة والحرارة اللي عدينا عليها من شوية كانت بتقول إن الجو تلج وتحت الصفر.
قولت وصوتي بيرعش: “يا بابا.. علي معايا في العربية!”
أمي لفت وشها من الكرسي القدامي. الروج بتاعها كان مظبوط على الشعرة، كأنها رايحة فرح مش في نص الليل. بصت لنا ولا اتهز لها جفن، ولا حست بأي قلق.
أبويا طلع منه ضحكة ناشفة مفيهاش أي رحمة.
في اللحظة دي “علي” صحي مفزوع.
ونطق بصوت مرعوب: “يا تيتا؟”
جيت أضمّه، بس أبويا كان نزل خلاص، وفتح بابي، وشَد شنطة الهدوم بتاعتي من تحت رجلي ورماها برة. السوستة اتقطعت والهدوم اتبعترت على الأسفلت.. وبخاخة الحساسية بتاعة علي طارت وجريت تحت العربية.
صرخت: “البخاخة بتاعته!”
أمي بصت عليها، ودارت وشها الناحية التانية كأن الموضوع ما يخصهاش.
في اللحظة دي بالذات، حَسيت بحاجة جوايا ماتت.. وتجمدت.
افتكرت إنهم أخدوا مني مفاتيح شقتي الصبح قال إيه “عشان ما تضيعش منك”. ومحفظتي كانت في شنطة أمي عشان قالت لي “هاتيها أشيلها لك” وإحنا بنفول بنزين. وتليفوني فاصل شحن عشان أبويا شد الشاحن وقال لي بطلة دراما وقلق.
ما كانش في حاجة بالصدفة.. كانوا مرتبين لكل ده ومخططين له بالملي.
أبويا رمى بطانية “علي” الصغيرة اللي عليها رسومات ورايا، وقعت في التراب. وبعدها داس بنزين وطاروا، وأنوار العربية الحمراء صغرت صغرت لحد ما اختفت في العتمة، وابني عمال يصرخ ويبكي ورا جده وجدته اللي سابوه.
خدت “علي” في حضني وقفلته عليه بجاكتي، وكتمت دموعي بالعافية. العياط هيضيع طاقتي، العياط هيخليني أبرد أكتر، ومفيش وقت للضعف.





