رجع بعد ٢٠سنه يدفع تمن رغيف العيش

— إنت فاكر إن رغيف العيش اللي اديتهولك من عشرين سنة يخليك تيجي النهارده وتحط قدامي المبلغ ده؟! خد فلوسك وامشي! قالتها الست وهي بتزق الظرف ناحية الراجل اللي واقف قدام باب بيتها. لكن الراجل ما مدش إيده ياخده. كان في أوائل التلاتينات، لابس بدلة غالية، وساعة في إيده تمنها يمكن أكتر من البيت القديم اللي واقف قدامه.

وعلى بعد خطوات، كانت عربية سودا فخمة واقفة في الشارع، والسواق مستنيه جنبها.

أما هي…

فكانت ست بسيطة قربت على الستين، هدومها متواضعة، ووشها شايل تعب سنين طويلة.

بصلها الراجل للحظات، وبعدين قال بهدوء:

— حضرتك فاكرة إنه كان رغيف عيش واحد؟

عقدت حواجبها وقالت:

— أمال كان إيه؟

ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن عينيه لمعت بالدموع.

— كان كل يوم… لمدة سنة كاملة.

سكتت.

وبدأت ملامحها تتغير وهي بتحاول تفتكره.

قالت بتردد:

— إنت… مين؟

قرب خطوة وقال:

— أنا الولد اللي كان بيقف كل صباح قدام الفرن ويبص للعيش من ورا الإزاز.

وقتها…

إيديها اترعشت.

والباب اللي كانت ماسكاه سابته ببطء.

وفجأة، رجعت بذاكرتها عشرين سنة لورا.

وقتها كانت لسه في أواخر التلاتينات.

أرملة وعندها بنتين صغيرين، ومصدر رزقها الوحيد فرن صغير في أول الشارع.

كانت بتصحى قبل الفجر كل يوم.

تعجن بإيديها، وتولع الفرن، وتفضل واقفة قدامه بالساعات علشان تبيع كام رغيف يساعدوها تدفع الإيجار وتصرف على بناتها.

ماكانتش غنية.

بالعكس…

كان بييجي عليها آخر الشهر وماتعرفش هتجيب مصاريف البيت منين.

لكن في صباح شتوي شديد البرد، وهي بترص العيش، لاحظت ولد صغير واقف الناحية التانية من الشارع.

كان عنده حوالي 11 سنة.

هدومه قديمة، وجزمته مقطوعة من الجنب.

والأغرب إنه ماكانش بيطلب حاجة.

كان واقف ساكت…

وعينيه متعلقة برغيف العيش السخن اللي في إيدها.

نادته:

— يا ابني… تعالى.

الولد اتخض وبص وراه، كأنه متأكد إنها بتنادي على حد غيره.

قالت:

— أيوه إنت… تعالى هنا.

قرب منها بخجل.

مدتله رغيف عيش سخن وقالت:

— خد.

بص للرغيف، وبعدين بصلها.

— معيش فلوس.

ابتسمت:

— وأنا طلبت منك فلوس؟

فضل واقف مكانه.

واضح إنه نفسه ياخده، لكن كرامته منعاه.

قال بصوت واطي:

— أمي قالتلي ماخدش حاجة من حد من غير ما أدفع.

سألته:

— وأمك فين؟

سكت.

نزل عينه للأرض وقال:

— تعبانة… ومش قادرة تقوم من السرير.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *