رجع بعد ٢٠سنه يدفع تمن رغيف العيش

وقتها فهمت ليه الولد واقف جعان.
حطت الرغيف في كيس، وأضافت جنبه رغيف تاني.
ناولتهوله وقالت:
— واحد ليك… وواحد لأمك.
اتسعت عينيه:
— بس أنا مش هعرف أدفع تمنهم.
قالت وهي ترجع للفرن:
— لما تكبر ويبقى معاك فلوس، ابقى تعالى ادفعلي.
كانت بتقولها بهزار.
لكن الولد ما ضحكش.
ضم الكيس لصدره، وبصلها بمنتهى الجدية وقال:
— أوعدك.
ومن اليوم ده…
بدأ يظهر كل صباح.
نفس المعاد تقريبًا.
يقف بعيد عن الفرن، ولا يطلب شيئًا.
وهي أول ما تشوفه، تحط رغيفين في كيس وتديهمله.
وفي يوم سألته:
— إنت مش بتروح المدرسة؟
اتغير وشه.
— بطلت.
— ليه؟
— لازم أشتغل.
— وإنت عندك كام سنة؟
— 11.
شهقت:
— تشتغل إيه وإنت 11 سنة؟!
رد ببساطة:
— أي حاجة… المهم أجيب علاج لأمي.
الجملة دي فضلت في ودنها طول اليوم.
وفي الصبح اللي بعده، لما جه…
ما ادتلوش رغيفين.
ادتله أربعة.
اعترض فورًا:
— لأ… كتير.
قالت:
— اتنين النهارده واتنين لبكرة.
هز راسه:
— لأ، أنا هاخد اللي محتاجه بس.
وقتها بصتله باستغراب.
الولد كان جعان وفقير…
لكن عمره ما مد إيده على حاجة زيادة.
مرت الأيام.
وبعدين الشهور.
وبقى وجوده كل صباح جزء من يومها.
لحد ما جه صباح…
وما ظهرش.
قالت يمكن اتأخر.
عدت ساعة.
وبعدين ساعتين.
وانتهى اليوم من غير ما ييجي.
تاني يوم برضه ماجاش.
ولا اليوم اللي بعده.
بدأت تقلق.
وفي اليوم الرابع، سألت واحد من الناس اللي ساكنين قريب من بيته:
— تعرف الولد الصغير اللي أمه تعبانة؟ بقاله كام يوم مش بييجي.
بصلها الراجل باستغراب وقال:
— إنتِ ما تعرفيش؟
قلبها اتقبض.
— أعرف إيه؟
سكت لحظة قبل ما يقول:
— أمه ماتت من أسبوع.
شهقت وحطت إيدها على صدرها.
— والولد؟!
رد الرجل:
— اختفى بعدها بيوم… محدش عارف راح فين.
ومن يومها…
ما شافتهوش تاني.
مرت سنة…
وخمسة…
وعشرة…
لحد ما عدّى عشرين سنة كاملة.
وهي كانت مقتنعة إن الولد نسيها من زمان.
لكنها ماكنتش تعرف إن الطفل اللي خرج من الحارة يوم وفاة أمه…
خرج وفي جيبه ورقة صغيرة كتب عليها عنوان الفرن.
وإنه احتفظ بالورقة عشرين سنة.
رجعت من ذكرياتها على صوت الرجل قدامها:
— افتكرتيني؟
دموعها نزلت وهي تهمس:
— إنت هو؟
هز راسه.
ثم أشار إلى الظرف الموضوع أمامها وقال:
— وكل رغيف أخدته منك مكتوب حسابه عندي من عشرين سنة.
فتحت الظرف بيد مرتعشة…
لكن أول ما شافت الورقة اللي جواه، رفعت عينيها له بصدمة.




