اهلى طردونى حكايات صافي هاني

يوم النطق بالحكم، أمي صرخت في القفص وأبويا انهار وبقى يبص للأرض مش قادر يرفع عينه في عيني. أنا مدمعتش.. افتكرت منظر بطانية الديناصور وهي بترتمي في تراب الصحراء، وافتكرت صوت ابني وهو بيكح من البرد والخوف. لَفيت ضهري للمحكمة وخدت ابنـي في إيدي وخرجنا.
النهاردة عدا سنتين على الليلة دي.
أنا نزلت الشغل، وبقيت بـ مية راجل، وبقيت أنا السند والضهر لابني. “علي” كبر ودخل المدرسة، وبقى لما يشوف عربية شرطة في الشارع يبتسم ويقولي: “دول اللي جابوا لنا حقنا يا ماما”.
أبويا وأمي افتكروا إنهم لما يرموني في الصحراء هبقى خبر في صفحة الحوادث، مكنوش يعرفوا إن ربنا سبحانه وتعالى كان بيسحبهم لرجلي أسرع مما يتخيلوا، عشان يربيني ويربي ابني بعيد عن قسوتهم وغلهم. ولاد الأصول ورجال البلد طلعوا لي من قلب الضلمة، والحمد لله، ربنا لما بياخد بيعوض.. وعوضه كان أكبر بكتير من قسوة البشر.القصة مخلصتش لحد هنا.. السنتين اللي فاتوا دول غيروني تماماً، ومبقيتش البنت الضعيفة اللي بتخاف من خيالها. فتحت مشروع صغير من البيت، وبقيت بشتغل ليل نهار عشان مكافأتي الكبيرة أشوفها في ضحكة “علي” وهو رايح مدرسته ولابس لبس نضيف ومش ناقصه أي حاجة عن زمايله.
وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة براجع مع علي واجب الحساب، ولقيت الباب بيخبط.
فتحت، لقيت عمي الكبير واقف، ومعاه خالتي. وشوشهم كانت مكسورة، وفضلوا واقفين على الباب مش عارفين يدخلوا ولا يقولوا إيه.
عمي اتنحنح وقال بصوت واطي: “يا بنتي.. أبوكي وأمكي طلعوا النهاردة.. خدو عفو حسن سير وسلوك بعد ما قضوا سنتين.”
خالتي دخلت في الكلام ودموعها في عينها: “يا بنتي دول اتهانوا واتكسروا جوه، وأبوكي صحته بقت في الأرض ومبقاش بيقَدّر يمشي على رجله.. هما مستنيين تحت في العربية، ومش قادرين يطلعوا لك، بس طالبين سماحك.. المسامح كريم يا بنتي، ودول مهما كان سبب وجودك في الدنيا.”
في اللحظة دي، شريط الليلة المشئومة دي عدا قدام عيني في ثانية.. افتكرت برودة الأسفلت، وبخاخة علي وهي تحت الكاوتش، وابتسامة أمي الشمتانة والعربية بتبعد.
بصيت لعمي وخالتي بكل هدوء، وقولت لهم: “أنا مش هطردكم، اتفضلوا ادخلوا اشربوا حاجة.. بس اللي تحت دول ماليش علاقة بيهم. اللي هان عليه لحمه ودمه في عز الكُحل، ملوش مكان جوه بيتي.”




