بنتي الصغيرة حكايات زهرة الربيع 3

عبد الجواد طلع من جيب جاكيته دفتر شيكات، وكتب شيك بمبلغ ضخم وحطه في إيدي، وقال بصوت حاسم: “الشيك ده يغطي مصاريف المستشفى والعلاج وكل اللي هيحتاجه عصام ونور، ودا حق عصام عندي من أرباح قديمة قدرت أستردها بالقضاء.. عصام شال السر ده لوحده وما رضيش يكسرك أو يخوفك، وكان بيدفع تمن من أعصابه وحياته. دلوقتي يا فضل.. عصام محتاجك أنتِ ونور عشان يرجع من الغيبوبة دي”.
أخدت الشيك بآيادي بترتعش، وشكرته بدموع صادقة، وجريت زي المجنونة على المستشفى. سددت ديون الحسابات كلها، وطلعت جري على الدور التاني.
دخلت أوضة الملاحظة وأخدت نور في حضني، والبنت بصلتي باستغراب وهي شايفاني بدمع وببتسم في نفس الوقت. قلت لها بصوت مليان أمل لأول مرة من شهور: “يلا يا نور.. يلا يا قلب ماما ندخل لبابا، بابا محتاجنا أوي النهاردة”.
مسكت إيد نور ودخلنا العناية المركزة. قربنا من اللي نايم عليه عصام، محاط بالأجهزة والصوت قعدت على الركب جنب السرير، وبصيت لوشه الأصفر المجهد، وقلت له بصوت حنون وبكي: “عصام.. أنا عرفت كل حاجة يا عصام.. عرفت السر اللي كنت مخبيه ومتحمله لوحدك في قلبك.. أنت مش السبب يا عصام، ويوسف عند ربنا في مكان أحسن، ونور مسامحاك وأنا مسامحاك.. ما تسيبناش يا عصام، بلاش تسيبني أشيل الشيلة لوحدي تاني.. ارجع عشان خاطر نور اللي مالهاش غيرك”.
نور مال جسمها على صدر أبوها، وحطت خدها على خده، وقالت بنبرة طفولية بريئة بتهز الحجر: “بابا.. أنا مش زعلانة منك خالص والله، وأنا عارفة إنك بتحبني.. صحاني يا بابا عشان نلعب سوى زي زمان.. أنا مستنياك يا بابا”.
في اللحظة دي.. وفي وسط الهدوء التام وصوت الأجهزة.. شفت صوابع عصام اليمين، اللي ماسكة إيد نور، بتبدأ تتحرك حركة خفيفة!
جسمي اتنفض، ونور صرخت بفرحة: “ماما! بابا حرك إيده! بابا ماسك إيدي يا ماما!”.
جريت على الباب وبصرخ بأعلى صوتي للممرضين والدكاترة: “دكتور! الحقني يا دكتور! عصام بيتحرك.. عصام بيصحى!”.
دخل الطاقم الطبي بسرعة ورجموا الأوضة، وزقونا لورا وهي حالة طوارئ شديدة، والدكتور بيطالع حدقة عينيه وبيقيس العلامات الحيوية وهو بيقول بذهول: “معجزة.. المريض بيستجيب للوعي بعد شهر ونص غيبوبة كاملة!”.
وقفت أنا ونور في زاوية الأوضة ماسكين في إيدين بعض، وقلوبنا بتدق بأعلى سرعة، مستنيين اللحظة اللي عصام يفتح فيها عينيه بجد.. ومش عارفين، لما يفتح عينيه ويرجع للدنيا كاملة.. هل السر ده هيخليه يرجع الأب والحبيب بتاع زمان؟ ولا الآثار اللي سابتها الحادثة والغيبوبة في جسمه وعقله هتفتح باب لتربية ومواجهة جديدة أصعب من كل اللي مر علينا؟





