بنتي الصغيرة حكايات زهرة الربيع 3

بعد أسبوعين كاملين من العلاج الطبيعي والمتابعة، الدكتور سمح لعصام بالخروج من المستشفى. رجوعنا للبيت كان لحظة مهيبة ومشاعرها متضاربة جداً. لما فتحنا باب الشقة ودخلنا، كان البيت ساكت، ريحة يوسف كانت لسه في الجدران، والكنبة اللي تحت الشباك كانت لسه في مكانها.

عصام أول ما حط رجله في الصالة وقفت حركته تماماً، وبص للشباك، وجسمه بدأ يترعش تاني من الذكرى. بس المرة دي، أنا مسكت إيده الشمال، ونور مسكت إيده اليمين.

نور بصت له وقالت بذكاء وطفولة: “بابا.. تيجي نغير مكان الكنبة دي ونحط مكانها مكتبة ونشيل الشباك خالص ونعمل سور حديد كبير؟ عشان ما حدش يقع تاني؟”.

عصام بص لنور، ونزل على ركبتيه ببطء رغم تعبه، وأخذ نور في حضنه العميق وظل يشم ريحتها ويقبل رأسها ويقول: “حاضر يا قلب بابا.. هنعمل كل اللي أنتِ عايزاه، والبيت ده مش يدخله خوف ولا حزن تاني أبداً”.

بدأنا نلملم جراحنا ونرمم حياتنا اللي اتدمرت. عصام بدأ يرجع لعافيته بالتدريج، وبمساعدة عبد الجواد رجع فتح شغل جديد صغير وركّز كل حياته ووقت في بيته ومع نور. بقى يوصلها المدرسة بإيده، يقعد يذاكر لها، وياخدها في حضنه كل يوم قبل ما تنام ويقرأ لها قران عشان الكوابيس تروح.

أما نور، فمع الحب والرعاية والجلسات النفسية، بدأت ترجع لضحكتها القديمة، بدأت تأكل وتلعب وتعيش طفولتها اللي اتسرقت منها.

لكن.. رغم كل الاستقرار ده، ورغم إننا افتكرنا إن الكابوس انتهى تماماً وأسرار الماضي اتدفنت.. في يوم من الأيام، وبعد مرور ست شهور على رجوعنا البيت وحياتنا هادية، رن جرس الباب في نص الليل.

عصام قام فتح الباب، وأنا وقفت وراه بفضول .. لقيت راجل غريب، لابس أسود في أسود، ملامحه وغير مألوفة، واقف على الباب وبص لعصام بابتسامة صفراء مسمومة وقال بصوت واطي :

“مساء الخير يا أستاذ عصام.. حمد الله على سلامتك من الغيبوبة. أظن فاكرني؟ ولا فاكر إن بفلوس عبد الجواد والشيكات اللي اندفعت اللعبة انتهت؟ أنت نسيت إن في طار قديم ودم بيننا، والورقة اللي فاكر إنك قطعتها.. لسه صورتا معايا والمحكمة مستنياك!”.

تسمرت في مكاني، وعصام وشه اتخطف وبقى أبيض زي الصفر، ونور خرجت من أوضتها تجري وتسأل: “بابا.. مين العمو ده؟!”.. لتفتح قدامنا بوابات كابوس جديد وجريمة قديمة ما كناش نعمل حسابها!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *