بنتي الصغيرة حكايات زهرة الربيع 3

وقف عصام أمام الرجل كالطور المذعور، لكني هذه المرة لم أسمح للخوف أن يشل حركتي أو يفرق شملنا كما حدث في الماضي. تقدمت بخطوات ثابتة ووقفت بجانب زوجي، وأمسكت بيده بقوة، واحتضنت نور باليد الأخرى.
نظر عصام إليّ، ورأى في عينيّ نهاراً ساطعاً يطرُد ظلام الماضي؛ رأى إيماناً وثباتاً لم يعهدهما فيّ من قبل. ابتسمت له بقلب مطمئن، وواجهت الراجل المبتز بنبرة حاسمة يملؤها الشرف واليقين: “أنت جاي بورق وسبق وقضايا قديمة؟ اتفضل روح لأي محكمة أنت عايزها! اللي فات وشبع ، وإحنا مش هنخاف من ظلك تاني. بيتنا ده مفيش فيه سر ينكسر بيه، ولا فيه ذنب نستخبى منه، واللي عندك اعمله!”.
الرجل ارتبك أمام هذا الثبات، ورأى في عيوننا أسراً متماسكاً لا يمكن اختراقه بكلمات أو الابتزاز، فنكص على عقبيه وتراجع يجر أذيال الخيبة والهروب وهو يدرك أن أوراق الضغط السابقة سقطت أمام القوة الحقيقية للإيمان والتسامح.
أغلق عصام الباب، ولأول مرة منذ سنوات، تنفسنا الصعداء بصدق وشعرنا بالطمأنينة الكاملة تسري في جدران الشقة. جثا عصام على ركبتيه، وأخذ نور في حضنه، ودموع الارتياح تترقرق في عينيه وهو يقبل يديها ورأسها، وتمددت أيدينا جميعاً لنلتقي في عناق دافئ أذاب كل آلام السنين ومرارتها.
الحكمة:
إن الحياة قد تبتلي الإنسان بجرائم القدر التي تستنزف أثمن ما نملك، لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن في وقوع ، بل في طغيان الغضب العارم الذي يعمي العقول ويحيل قلوب الآباء إلى حجارة قاسية على أبنائهم. إن الرحمة والتسامح داخل الأسرة هما طوق النجاة الوحيد وسط أمواج الظروف العاتية؛ فالأبناء ليسوا كباش فداءٍ لأخطائهم البريئة أو لأقدار لا يد لهم فيها، وما يُصلَح بالحب والمغفرة قادرٌ على ترميم أعتى انكسارات النفوس وتجاوز أقصى المحن.



