خلفت سبع مرات زهره الربيع 2

رجعت إلى الخلف خطوة، فارتطم ظهري بحافة المكتب الخشبي الثقيل. كانت الأوراق والوثائق التي تحمل أختام التركة المشبوهة وشيكات الملايين تقع تحت قدمي. شعرت ببرودة السطح الخشبي تحت أناملي المرتجفة، وفي تلك اللحظة بالذات، انكسر داخل قلبي آخر قيد من قيود الخوف والذهول. ينتهي الحزن حين يمتلئ القلب بالغضب القاتل. لم أعد أرى أمامي الزوج الذي شاركني فراش النوم ولحظات البكاء المصنوعة، بل رأيت الوحش الذي حصد أرواح أطفالي السبعة، طفلاً تلو الآخر، بأعصاب هادئة ورعاية محسوبة.
خطا خطوة واحدة نحوي، وكانت حركته بطيئة، مدروسة، ومحسوبة كعادة حركاته طوال السنوات الماضية. قال بنبرة خفيضة ترشح سموماً وصوتاً خشناً ينبع من قاع حنجرته:
“ما تصعبيش الأمور على نفسك وعليّ يا سمر.. أنتِ عارفة إن الموضوع ده كان لازم ينتهي. سبع سنين وأنا شايل الحمل ده لوحدي، سبع سنين وأنا بلعب الدور الصعب عشان أؤمن مستقبلنا وعشان الملايين دي تتصرف. أنتِ عشتِ معايا كل لحظة، وشفتِ إزاي الدكاترة والشيوخ والمجتمع كله صدق إن الموضوع مجرد جينات أو قضاء وقدر. مفيش حد في الدنيا هيشك، ومفيش حد هيسأل. النكتة انتهت، والأوراق دي لازم تترمد، وأنتِ لازم ترتاحي من الوجع ده كله.”
انقضت كلماته على مسامعي كالمسامير المحماة في النار. صرخت في وجهه بصوت تجشأت فيه كل الآلام المكتومة، صوت هز جدران الغرفة المغلقة وجعل الغبار المتراكم على الرفوف العتيقة يتساقط:
“ارتاح؟ عاوزني ارتاح بعد ما عرفت إنك قتلتهم؟ قتلت حتة من قلبك وقلبي عشان الملايين؟ الطفل الأول اللي بكيت عليه لحد ما عنيك احمرت، والطفل الخامس اللي مات في حضني وأنا أفتكرته نام من التعب.. أنت اللي حطيت السم في أكلهم؟ أنت اللي مسحت على شفاههم الطاهرة بريحتك الملعونة دي؟ أنت مش بني آدم، أنت مجرم، سفاح، وشيطان مش هسيبك تخرج من الغرفة دي عايش!”
لم يتحرك له جفن. لم يطرف له رمش أمام صراخي ونحيبي. بل هز رأسه بأسى مصنّع وخطا خطوة ثانية، يرفع المنديل المشبع بالزيت القاتل نحو وجهي، وقال بصوت حاد يقطر حزماً:
“الفلوس دي هي اللي كانت هتخلينا نعيش فوق الجميع يا سمر. الورث كان مشروط، واللعبة كانت أكبر مني ومنك. والدك ووالدتي والشركاء في الدولة الثانية هما اللي حطوا القواعد دي من ثلاثين سنة، وأنا مجرد منفذ لحكم صادر ومكتوب قبل ما نتجوز حتى. تصوري إيه اللي كان هيحصل لو كنت رفضت؟ كانوا هيرموني في السجن، كانوا هيفضحوا العيلة، وكانوا هيقتلوكي أنتِ قبل ما يقتلوني. أنا كنت بحميكي! كنت بحمي البيت ده!”


