خلفت سبع مرات زهره الربيع 2

“كنت بتحميني بردم أطفالي تحت التراب؟” صرختُ بها وأنا أمد يدي ببطء خلف ظهري فوق سطح المكتب، أفتش بأصابع مرتجفة عن أي شيء يصلح أن يكون سلاحاً في هذه المعركة الفاصلة. وقعت أناملي على المقبض الحديدي الثقيل للمفرم الخشبي الذي استخدمته قبل قليل لكسر قفل الصندوق. كان ثقيلاً، زواياه حادة، ومحسوساً بصلابة في كفي المقبوضة.

استطرد وهو يدنو مني أكثر، وعيناه تضيئان ببريق جنوني مكتوم:

“الأمر انتهى. الشركاء منتظرين الأوراق الأخيرة لإنهاء الملف الثامن والتصديق على الحساب المالي النهائي. الموتة دي هتكون أسرع، ومش هتحسي بأي ألم.. زيهم تماماً. غمضة عين، وهبوط ناعم في عضلة القلب، وسكوت تام. وفي الجنازة، الناس كلها هتقول إن الأم المسكينة ماتت حسرة على ابنها السابع، ومحدش هيفكر يفتح جثة ولا يفحص دم. كل حاجة مترتبة صح.”

في تلك اللحظة المحددة، حين انحنى بجسده للأمام وأمد يده بالمنديل المسموم ليضغطه على أنفي وفمي، والريحة العطرة الخبيثة تخنق أنفاسي، أطلقت صرخة مكتومة نابعة من قاع قهري، ورشقت المفرم الحديدي الثقيل بقوة غشيمة وبأقصى ما أوتيت من قوة مباشرة في منتصف وجهه!

ارتطم الحديد بفك أسنانه وعظمة أنفه بصوت صلب ومكتوم. صرخ صرخة مكتومة وسقط إلى الخلف متراجعا خطوتين، وسقطت القارورة الزجاجية من يده على الأرض لتتهشم على البلاط العاري، ويسكب سائلها البني الفواح في كل أرجاء المكان. تناثر الزيت القاتل فوق السجاد والأوراق، وتصاعدت الرائحة المسمومة بكثافة أعلى جعلت عينيّ تدمعان وحلقي يحترق.

مسح الدم السائل من أنفه وشفتيه بظهر يده، وتحولت نظرته الباردة إلى وحشية مفترسة. انقض عليّ كالمجهول، وأمسك بتلابيبي وضغط بجسده الثقيل عليّ ليدفعني نحو الحائط. تضاربت أيدينا، وكانت أصابعه الغليظة تعصر رقبتي بقوة تريد كتم أنفاسي وتثبيتي على الأرض ليضع المنديل المتبقي في جيبه على وجهي.

كنت أصارع وأرفس برجليّ، أظافري تغوص في جلد وجهه وعنقه، أقتلع لحمه وأنا أراه يصر على أسنانه المدماة ويتمتم بكلمات غير مفهومة: “لازم تنتهي.. لازم اللعبة تنتهي هنا!”

تجمعت كل ذكريات السنوات السبع في عقلي في تلك الثواني المعدودة: ضحكات ولدي الأول، لمسة يد الولد الثالث، ونظرة الولد الخامس وهو يغمض عينيه للابد في حضني. أمددنا أيدينا معاً نحو قطعة الزجاج المكسورة الحادة من القارورة التهشمة الملقاة على الأرض بالقرب من أقدامنا. كانت يده أقرب، لكنني بجهد انتحاري خفضت رأسي ونطحته بجبهتي في وجهه المصاب، فترنح للخلال ثانية واحدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *