سلسله وغويشة أمانى السيد 3

فتح الأستاذ مجدي الحقيبة، وبدأ يعد رزم الأموال البنكية بآلة العد الكهربائية التي كان صوتها الدوار “تكتكتك…” يتردد في الغرفة كالعد التنازلي لكرامة إبراهيم. كل رزمة كانت تخرج من الحقيبة وتوضع على المكتب، كانت بمثابة مسمار يطرق في تابوت سلطته الذكورية الوهمية.
أنتهى المحامي من العد، ثم قال: “المبلغ كامل ومطابق لسعر جرام الذهب اليوم بجميع المصاريف القانونية والإدارية. ودلوقتي نيجي للأوراق الرسمية”.
سحب الأستاذ مجدي ملفاً ضخماً، وأخرج منه ثلاث نسخ من عقد تسوية وشبكة وإقرار إبراء ذمة مالية، وقال لإبراهيم: “اتفضل يا أستاذ إبراهيم، اقرأ البنود دي كويس. العقد ده بيقر فيه إنك استلمت طوعاً وبدون إكراه قطع ذهبية ومبالغ مالية مملوكة لزوجتك، وأنك قمت برد قيمتها بالكامل بسعر اليوم، وتتعهد بعدم التعرض لها في مشروعها التجاري الخاص بالخياطة والتطريز، أو المطالبة بأي جزء من دخلها مستقبلاً، مع التنازل عن أي أدوات أو معدات خياطة موجودة بالشقة لصالحها بصفة حصرية”.
رفع إبراهيم رأسه ببطء، وكانت عيونه محمرة بالدموع المكتومة، وبصلي بصوت وقال: “يعني خلاص يا بنت الناس؟ الفلوس ورجعتلك زاي ما طلبتي وبزيادة كمان.. أظن كده أوفيت، ونقدر نرجع بيتنا ونلم اللي اتكسر؟ أمي هتموت من الزعل، والشارع كله بقى بيبصلي بصة مش كويسة.. يلا بينا نرجع ونفتح صفحة جديدة ورزقنا على الله”.
نظرت إليه ببرود شديد، ابتسمت ابتسامة هادئة جعلت جسمه يرتجف، ثم التفت للأستاذ مجدي وقلت له: “أستاذ مجدي.. أخرج الورقة الثانية من فضلك”.
إبراهيم اتسعت عيونه برعب: “ورقة إيه ثاني؟! هو إحنا مش اتفقنا إن الفلوس دي هي كل الموضوع؟!”.
أخرج الأستاذ مجدي ورقة بيضاء رسمية تحمل شعار وزارة العدل ومطبوعة بوضوح، وضعها أمام إبراهيم، وقال بنبرة خالية من المشاعر: “دي وثيقة الطلاق للإبراء، أو دعوى الخلع الجاهزة للتقديم فوراً إذا رفضت التوقيع على الطلاق الاتفاقي”.
ساد صمت رهيب في الغرفة، صمت أثقل من الجبال. حماتي شهقت بصوت عالٍ وحطت إيدها على صدرها: “طلاق؟! طلاق إيه يا بت أنتِ؟! الفلوس ورجعتلك، والعفش والشقة تحت أمرك، عايزة تخربي بيتك وتطلقي بعد العمر ده كله عشان نزوة وشيطان دخل بينكم؟!”.
وقفت من على كرسيي، وجررت الكرسي للخلف بهدوء، ثم وقفت بشموخ ونظرت لحماتي ثم لإبراهيم، وقلت بصوت واضح ورنان كالسيف: ” نزوة؟! اللي حصل ده مش نزوة يا حاجّة.. اللي حصل ده كشف حقيقة. ابنك ما سرقش الدهب بس، ابنك سرق الأمان! ابنك استخصر فيا شقايا، واستضعفني عشان فاكر إن ماليش ظهر، واستحل عرقي وتعبي وسهري تحت المكنة عشان يروح يتفشخر بيه ويعمل بيه بطل قدام الناس!”.
التفتُ لإبراهيم اللي كان مذهولاً ومفتوح الفم لا ينطق، وقلت له بكل قسوة: “أنا لما اتجوزتك يا إبراهيم، كنت فاكرة إني بتجوز راجل يسترني ويحميني، مش راجل يستغلني ويستغل طيبتي وسكوتي ويروح يبيع غوايشي اللي جابهم أبا يرحمه من غير ما يرف له جفن! أنت بعتني قبل ما تبيع الدهب. والدهب لما يروح بفلوس بيرجع بفلوس… لكن الثقة والأمان لما يروحوا، مفيش مال في الدنيا يقدر يشتريهم ولا يرجعهم!”.


