سلسله وغويشة أمانى السيد 3

إبراهيم مسك القلم بيده التي كانت ترتجف بشدة، والدموع نزلت من عينيه بقلة حيلة وقال: “طب عشان خاطر الأيام اللي بيننا؟ عشان خاطر شغلك اللي سبتك تعمليه في البيت؟ أنا غلطت وشيطاني غواني.. هديكي كل ضمانات الدنيا، هكتبلك الشقة فوق باسمك! هبقى تحت جزمتك بس بلاش تطلقي وتسيبيني.. الناس هتأكل وشي، أصحابي وإخواتي في المنطقة هيقولوا مراته سابته وطلعت منه لما أخدت فلوسها!”.
رديت بابتسامة نصر قاطعة: “كلام الناس هو كل اللي يهمك يا إبراهيم.. ط طول عمرك فارغ من جوة، بتدور على الشو والمظاهر على حساب لحمي ودمي! الشقة فوق مش عايزة منها قشة، العفش القديم بتاعك شبع بيه، وأنا شقتي ورزقي ومكنتي في بيت أبا يرحمه، بيت الحلال اللي طالع منه كل قرش بنظافة وعرق جبين”.
قربت منه وحطيت القلم في إيده بضغط حاسم وقلتله: “امضي يا إبراهيم.. امضي على الطلاق الاتفاقي والإبراء، وإما البلاغ اللي مع الأستاذ مجدي هيتحرك فوراً الأمانة واستغلال النفوذ وسرقة منقولات، مستنيك، وساعتها مش هتدفع الفلوس بس، هتدفع حريتك كمان، وهتبقى الفضيحة رسمية في أروقة المحاكم بالصحف والمستندات!”.
حماتي بصت لابنها وهي بتعيط بحرقة، وعرفت إن خلاص، القوس اتسحب والسهم خرج وما فيش أمل في التراجع. الست اللي كانت فاكراها خياطة غلبانة مالهاش صوت، بقت هي اللي بتمسك حبل المشنقة وبتحركه بمزاجها.
حماتي طبطبت على كتف ابنها بصوت مكسور وقالتله: ” امضي يا ابني… امضي. إحنا اللي جبينا ده لنفسنا، أنت اللي استرخصت شقاها وعرقها، والست لما من جوة مابيرجعهاش مال الدنيا. امضي وربنا يعوض عليك وعليها”.

أخذ إبراهيم القلم، وبأصابع مرتجفة وعيون مغشاة بالدموع والندم القاتل، بدأ يوقع على وثائق الطلاق والتنازل والإبراء، ورقة ورا ورقة. كل توقيع كان بيمثل نهاية لقصة استغلال طويلة، وبداية لصفحة جديدة ناصعة البياض.
بعد ما خلص التوقيع، أخذ الأستاذ مجدي الأوراق ومهرها بختمه، وأعطاني النسخ الخاصة بي، وأخذت رزم الأموال وحطيتها في حقيبتي الجلدية الصادرة من جهدي.
وقفت عند باب المكتب، وبصيت لإبراهيم للمرة الأخيرة. كان قاعد مكسور على الكرسي، رأسه بين إيديه، وأمه جنب منه تبكي في صمت. لم أشعر تجاهه بأي كره أو غضب في تلك اللحظة؛ بل شعرت برحمة شفوقة على رجل أضاع بيته وزوجته وشرفه المالي من أجل لحظة غرور كاذبة.
قلت له بنبرة هادئة وأخيرة: “وصية أبا تحققت يا إبراهيم… الدهب زاد وما نقصش، وأنا زدت قوة وعقل. ربنا يهديك لنفسك”.
خرجت من المكتب، وسرت في شوارع وسط البلد. كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، والضياء يملأ الأركان. تنفست هواء الحرية والكرامة بعمق، وحسيت إن روح أبا الله يرحمه تحوم حولي، تبتسم لي وتقول: “عفارم عليكي يا بنت أبا… صنتي الوداد، ورجعتِ الحق، وما سبتيش قيمتك تتداس”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *