واحده صاحبتي اطلقت3

لم تكن الورقة دجلاً ولا طلاسم، بل كانت مفكرة صغيرة اقتُطعت منها صفحات، مكتوبة بخط يده الدقيق، ومؤرخة بالسنين والأيام:

“الولد الأول: تمت السنة اليوم. الجرعة المحددة من مستخلص نبات (الشوكران المائي/الدفلى) الممزوج بزيت الورد الزكي. لا يترك أثراً في الدم بعد ساعة واحدة، ويتسبب في استرخاء عضلة القلب الهادئ أثناء النوم. الأطباء أكدوا قضاء وقدر.”

“الولد الثاني: تمت السنة اليوم. تمت العملية بنفس . النتيجة ممتازة. لا أحد يشك.”

تجمّد العقل في رأسي، وسقطت الدموع سالكة طريقاً حارقاً على وجنتي وأنا أقرأ الملاحظات المكتوبة بدم بارد خلف كل اسم من أسماء أطفالي السبعة! كان يوثق حريمه وعياله بدقة متناهية، وكأنه يدير تجربة مخبرية أو ينفذ أحكاماً معلقة!

لكن السؤال الأكبر الذي كان يفتك بدماغي ويحطم جمجمتي: لماذا؟ لماذا يفعل هذا بأبنائه الصغار؟ لماذا يتركهم يكبرون أمامي، ينبت لهم سنهم الأول، وينطقون كلمة “بابا” و”ماما”، حتى إذا أتموا عامهم الأول بالتمام والكمال، وحان وقت تسجيلهم وتثبيت وجودهم في الأوراق الرسمية بطريقة معينة… بكل بساطة؟ ما هو السر المرعب الذي يجعله يرحب بالحمل وينتظر العام الأول بفارغ الصبر ليطفئ أنفاسهم؟

جلست في الظلام، أسمع خطواته تقترب من باب الغرفة. المقبض بدأ يتحرك ببطء شديد، ورائحة ذلك الزيت العطري القاتل بدأت تتسلل من تحت الباب.

سكنت حركة المقبض لثوانٍ معدودة قبل أن ينفتح الباب ببطء شديد، ويمرق شعاع خافت من ضوء الصالة ليشق ظلام الغرفة. أغلقت عينيّ فوراً وتظاهرت بالنوم، أحتضن الوسادة بجهد خرافي لمنع أطرافي من الارتعاش. شعرت به يقترب، خطواته حذيرة، خفيفة، ولا تهمس على الأرض. وقف عند رأسي بضع دقائق، كتمت فيها أنفاسي حتى كادت رئتاي تنفجران. كان يتنفس بهدوء، ثم انحنى وبثمينة باردة مسح على شعري، ورائحة الزيت الزكيّ تدور حول وجهي كحبل خنق. مسح دموعه بصوت خفيض، وزفر زفرة حزن طويلة ومصنوعة، ثم انسحب وإغلق الباب خلفه برفق.

انتظرت شروق الشمس. بمجرد أن غادر البيت متوجهاً إلى عمله بملامحه المكسورة المعصورة من الحزن أمام الجيران، قمت فوراً. أغلقت أبواب البيت بالمفتاح، ودخلت إلى مكتبه الصغير في زاوية . كان مكتباً مغلقاً بقفل قديم يزعم دائماً أنه يحفظ فيه أوراق عمله الرسمية وعقود العقارات. بقلب ويدين ينبض فيهما الغضب، أخذت مفرماً حديدياً صغيراً وكسرت القفل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *