واحده صاحبتي اطلقت3

​لحد ما جه يوم دفن الطفل السابع.

​الشمس كانت غايبة والسما لونها كئيب. كانت ساكنة، وصوت التراب وهو بينزل . كنت واقفة مش قادرة أقف على رجلي، دموعي جفت وجسمي كان بيتنفض. وأنا باصة للقبر المفتوح، وأبوه بينزل ببطء عشان يودع ابننا الأخير، حصلت حاجة غريبة جداً.. حاجة مش على البال ولا على الخاطر.

​في اللحظة دي بالذات، ظهرت تفصيلة صغيرة أوي محدش أخد باله منها غيري. التفصيلة دي فتحت عينيا على الحقيقة كلها، وفجأة، زي ما أكون صحيت من كابوس طويل، فهمت كل حاجة.. فهمت الولاد دول كانوا إزاي، وايه السبب الحقيقي اللي كان يستنى لحد ما يكملوا سنة بالتمام ويروحوا مني.

وقفت متسمرة في مكاني والشمس تغرب ببطء، تاركة سحابة رمادية ثقيلة تلف المكان. زوجي كان ينزل في فوهة القبر، حاملاً الجثمان الصغير الملقوف بالثوب الأبيض، والصمت حولنا كأنه يتنفس. في تلك اللحظة بالذات، ونحن على وشك إغلاق الباب الأخير على طفلنا السابع، انحنى زوجي ليضع الصبي في ملحده، وسقطت من جيب جلبابه الداخلي ثنية ورقية صغيرة مطوية بإنعام، سقطت دون أن ينتبه لها، لتستقر فوق العشب الجاف المتاخم لقدمي.

لم يكن سقوط الورقة هو ما لفت انتباهي، بل تلك الرائحة التي فاحت منها لمجرد لامسها الهواء: رائحة زكية، دافئة، ناعمة بوضوح… رائحة مادة زيتية عطرة كنت أشمها في كل مرة أضم فيها أطفالي قبل وفاتهم بساعات. كنت أظنها دائماً رائحة “مسك الأطفال” أو نوعاً من البودرة التي أستخدمها لهم، لكن تلك الرائحة لم تكن من مستحضراتي قط، بل كانت خلطة خاصة جداً لا تفارق ثياب زوجي.

جثوت على ركبتي ببطء مدعية أنني أضع يدي على التراب من شدة الإعياء، والتقطت الورقة في كفي بلمحة خاطفة وأخفيتها في طيات عباءتي. كان قلبي يدق في صدري كطبل حرب، والدم يجري في عروقي كالثلج المذاب. زوجي خرج من القبر، وجهه شاحب، وعيونه مغرورقة بالدموع، ينظر إليّ بنظرة الانكسار والأسى ذاتها التي كان يرتديها عقب كل جنازة… ذات النظرة التي انطليت عليّ لسبع سنوات متواصلة.

عدنا إلى البيت. البيت الذي أصبح مقبرة واسعة تفوح منها ذكريات سبعة أرواح بريئة. انتظرت حتى حل الليل والدجى، وبقي زوجي في الصالة يستمع إلى صوت المذياع بخفوت ويستغرق في نوبة بكاء مكتومة، بينما انسحبت أنا إلى الغرفة المغلقة وفتحت الورقة المطوية تحت ضوء هاتف شاحب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *