خلفت سبع مرات، والسبعة كانوا أولاد. وفي كل مرة، أول ما الطفل يتم سنة بالتمام ما تزيدش يوم واحد ويتوفى. الطب كل مره يقول مفيش أي سبب طبي للوفاة، إمجرد قضاء وقدر بس أنا خلاص هتجنن! سبع مرات مش مرتين ولا ثلاثة.. كل مرة يكمل سنة ويروح مني وبين اديا. فكرت في كل حاجة. ممكن يكون حد بيإذيني فيهم؟ بس إزاي وأنا معنديش مشاكل مع حد؟ وكمان معنديش خدم، ومفيش حد بيدخل بيتي أو يلمس أولادي غيري أنا وأبوهم. في أول طفل كانت صدمة كبيرة، كنت حاسة إني فقدت روحي معاه. الطفل الثاني كان أصعب وأقسى، بس عند الطفل الثالث، وجعنا الشديد اتحول لتساؤل مريب مرعب.. إزاي؟ إزاي في نفس العمر بالدقيقة؟ مع الوقت، حياتي اتغيرت تماماً. بقيت عايشة في سجن من الخوف. الحركة من جنب الولد بقت بالنسبة لي شبه مستحيلة. لما كان أي طفل فيهم يقرب من سن السنة، كنت بأجل كل حاجة في حياتي: الأكل، الشرب، وحتى النوم. أقعد جنبه على الأرض، عيني مش بتفارق جسمه الصغير، أراقب كل نفس يدخل ويخرج من صدره. حابسة نفسي معاه في الأوضة، مرعوبة من اللحظة اللي العقارب توصل فيها لليوم الملعون ده. فاكرة كويس الطفل الخامس.. اليوم ده حفور في قلبي . يوم ما كان هيطفي شمعته الأولى، رفضت تماماً إني أشيله من على رجلي. فضلت حابسة نفسي بيه من الصبح، حاضناه بقوة كأني بحاول أخبيه جوة ضلوعي من حاجة مجهولة بتحصل. الولد كان زي الفل، بيضحك ويلعب في حضني، وعيونه اللامعة مليانة حيوية. فجأة، وبدون أي مقدمات، مال رأسه على صدري وغمض عينيه. افتكرته نام من التعب.. بس لما جيت أصحيه، كان نام وما قامش بعدها. راح في ثانية، وأنا حاضناه ومسكة إيديه. الموضوع كان مريب بشكل يجنن العقل. أنا وأبوه كنا هنروح فيها، العجز كان بياكل فينا. خبر الحمل اللي أي زوجين بيستنوه بفارغ الصبر، بقا بالنسبة لنا ألم يوجع القلب وتهديد جديد، مش خبر يفرح أبداً. كنا بنشوف تحليل الحمل الموجب ونبكي، وندعي ونقول: “يمكن المرة دي ربنا يرحمنا.. يمكن المرة دي مختلفة.” لفينا على دكاترة كبار، ولما يئسنا، رحنا لشيوخ. اللي بيعرف ربنا بحق وحقيق كان بيطبطب علينا ويقولنا: “ده قضاء الله وقدره، اصبروا .” أما الدجالين، فكانوا عالم تاني.. يقولوا كلام غريب ومش مفهوم، ويطلبوا مبالغ خيالية ويحلفوا بأغلظ الأيمان إن الطفل اللي هيتولد المرة الجاية هيعيش ومش هيحصله نفس المصير. كنا بنتعلق بقشة ونصدق من كتر الوجع، بس مفيش حاجة اتغيرت. سبع أطفال ورا بعض، بنفس الحذافير، ونفس السيناريو المرعب. لحد ما جه يوم دفن الطفل السابع. الشمس كانت غايبة والسما لونها كئيب. كانت ساكنة، وصوت التراب وهو بينزل . كنت واقفة مش قادرة أقف على رجلي، دموعي جفت وجسمي كان بيتنفض. وأنا باصة للقبر المفتوح، وأبوه بينزل ببطء عشان يودع ابننا الأخير، حصلت حاجة غريبة جداً.. حاجة مش على البال ولا على الخاطر. في اللحظة دي بالذات، ظهرت تفصيلة صغيرة أوي محدش أخد باله منها غيري. التفصيلة دي فتحت عينيا على الحقيقة كلها، وفجأة، زي ما أكون صحيت من كابوس طويل، فهمت كل حاجة.. فهمت الولاد دول كانوا إزاي، وايه السبب الحقيقي اللي كان يستنى لحد ما يكملوا سنة بالتمام ويروحوا مني. وقفت متسمرة في مكاني والشمس تغرب ببطء، تاركة سحابة رمادية ثقيلة تلف المكان. زوجي كان ينزل في فوهة القبر، حاملاً الجثمان الصغير الملقوف بالثوب الأبيض، والصمت حولنا كأنه يتنفس. في تلك اللحظة بالذات، ونحن على وشك إغلاق الباب الأخير على طفلنا السابع، انحنى زوجي ليضع الصبي في ملحده، وسقطت من جيب جلبابه الداخلي ثنية ورقية صغيرة مطوية بإنعام، سقطت دون أن ينتبه لها، لتستقر فوق العشب الجاف المتاخم لقدمي. لم يكن سقوط الورقة هو ما لفت انتباهي، بل تلك الرائحة التي فاحت منها لمجرد لامسها الهواء: رائحة زكية، دافئة، ناعمة بوضوح… رائحة مادة زيتية عطرة كنت أشمها في كل مرة أضم فيها أطفالي قبل وفاتهم بساعات. كنت أظنها دائماً رائحة “مسك الأطفال” أو نوعاً من البودرة التي أستخدمها لهم، لكن تلك الرائحة لم تكن من مستحضراتي قط، بل كانت خلطة خاصة جداً لا تفارق ثياب زوجي. جثوت على ركبتي ببطء مدعية أنني أضع يدي على التراب من شدة الإعياء، والتقطت الورقة في كفي بلمحة خاطفة وأخفيتها في طيات عباءتي. كان قلبي يدق في صدري كطبل حرب، والدم يجري في عروقي كالثلج المذاب. زوجي خرج من القبر، وجهه شاحب، وعيونه مغرورقة بالدموع، ينظر إليّ بنظرة الانكسار والأسى ذاتها التي كان يرتديها عقب كل جنازة… ذات النظرة التي انطليت عليّ لسبع سنوات متواصلة. عدنا إلى البيت. البيت الذي أصبح مقبرة واسعة تفوح منها ذكريات سبعة أرواح بريئة. انتظرت حتى حل الليل والدجى، وبقي زوجي في الصالة يستمع إلى صوت المذياع بخفوت ويستغرق في نوبة بكاء مكتومة، بينما انسحبت أنا إلى الغرفة المغلقة وفتحت الورقة المطوية تحت ضوء هاتف شاحب. لم تكن الورقة دجلاً ولا طلاسم، بل كانت مفكرة صغيرة اقتُطعت منها صفحات، مكتوبة بخط يده الدقيق، ومؤرخة بالسنين والأيام: “الولد الأول: تمت السنة اليوم. الجرعة المحددة من مستخلص نبات (الشوكران المائي/الدفلى) الممزوج بزيت الورد الزكي. لا يترك أثراً في الدم بعد ساعة واحدة، ويتسبب في استرخاء عضلة القلب الهادئ أثناء النوم. الأطباء أكدوا قضاء وقدر.” “الولد الثاني: تمت السنة اليوم. تمت العملية بنفس . النتيجة ممتازة. لا أحد يشك.” تجمّد العقل في رأسي، وسقطت الدموع سالكة طريقاً حارقاً على وجنتي وأنا أقرأ الملاحظات المكتوبة بدم بارد خلف كل اسم من أسماء أطفالي السبعة! كان يوثق حريمه وعياله بدقة متناهية، وكأنه يدير تجربة مخبرية أو ينفذ أحكاماً معلقة! لكن السؤال الأكبر الذي كان يفتك بدماغي ويحطم جمجمتي: لماذا؟ لماذا يفعل هذا بأبنائه الصغار؟ لماذا يتركهم يكبرون أمامي، ينبت لهم سنهم الأول، وينطقون كلمة “بابا” و”ماما”، حتى إذا أتموا عامهم الأول بالتمام والكمال، وحان وقت تسجيلهم وتثبيت وجودهم في الأوراق الرسمية بطريقة معينة… بكل بساطة؟ ما هو السر المرعب الذي يجعله يرحب بالحمل وينتظر العام الأول بفارغ الصبر ليطفئ أنفاسهم؟ جلست في الظلام، أسمع خطواته تقترب من باب الغرفة. المقبض بدأ يتحرك ببطء شديد، ورائحة ذلك الزيت العطري القاتل بدأت تتسلل من تحت الباب. سكنت حركة المقبض لثوانٍ معدودة قبل أن ينفتح الباب ببطء شديد، ويمرق شعاع خافت من ضوء الصالة ليشق ظلام الغرفة. أغلقت عينيّ فوراً وتظاهرت بالنوم، أحتضن الوسادة بجهد خرافي لمنع أطرافي من الارتعاش. شعرت به يقترب، خطواته حذيرة، خفيفة، ولا تهمس على الأرض. وقف عند رأسي بضع دقائق، كتمت فيها أنفاسي حتى كادت رئتاي تنفجران. كان يتنفس بهدوء، ثم انحنى وبثمينة باردة مسح على شعري، ورائحة الزيت الزكيّ تدور حول وجهي كحبل خنق. مسح دموعه بصوت خفيض، وزفر زفرة حزن طويلة ومصنوعة، ثم انسحب وإغلق الباب خلفه برفق. انتظرت شروق الشمس. بمجرد أن غادر البيت متوجهاً إلى عمله بملامحه المكسورة المعصورة من الحزن أمام الجيران، قمت فوراً. أغلقت أبواب البيت بالمفتاح، ودخلت إلى مكتبه الصغير في زاوية . كان مكتباً مغلقاً بقفل قديم يزعم دائماً أنه يحفظ فيه أوراق عمله الرسمية وعقود العقارات. بقلب ويدين ينبض فيهما الغضب، أخذت مفرماً حديدياً صغيراً وكسرت القفل. بدأت أفتش بين الملفات. كانت هناك أوراق ثبوتية، عقود ملكية، وملفات عادية… لكن في القاع، أسفل صندوق خشبي مصفح بالصاج، وجدت ملفاً أسود ضخماً، ملفوفاً بشريط أحمر ومكتوباً عليه بخط يد قديم جداً غير خط زوجي. فتحت الملف، وكانت المفاجأة التي جعلت الأرض تدور بي! وجدات وثيقة شرطية قديمة يعود تاريخها لأكثر من ثلاثين عاماً، وبجوارها عقد اتفاق غريب وموثق بين والد زوجي (عمي المتوفى) وبين جهة غير معلومة، يحمل ختم رسمياً من دولة مجاورة وشيكات بمبالغ مالية خيالية. تصفحت الأوراق بذهول، وقرأت البنود المكتوبة بوضوح يقطع الشك باليقين: زوجي لم يكن الابن الوحيد لعائلته كما كان يدعي! كان له أخ توأم، وفي صغرهما، تورط والده في ديون وقضايا مالية ضخمة، وقام بتنسيق عملية معقدة للهروب من أحكام سجن مؤبدة. الخطة كانت تتضمن تسجيل أطفال عائلة معينة بأسمائهم الرسمية حتى سن السنة، للحصول على ميزانيات وإعانات وتغطيات لتركات وأوقاف مغلقة لا تُفتح ولا تُصرف أنصبتها إلا بشرط وجود سليل ذكر حي يبلغ العام الأول من عمره! بمجرد بلوغ الطفل سن السنة، يتم إثبات وجوده قانونياً لتسليم الحصة المالية للوصي (زوجي)، ثم… يتوجب “تصفية” الطفل فوراً حتى لا ينكشف أمر التزوير في السجلات الوطنية المتقاطعة بين البلدين، لأن الهوية الرسمية للطفل تكون مأخوذة بالأساس من سجلات أطفال متوفين قديماً في تلك الدولة الأخرى! لقد كان يتاجر بأرواح أطفاله! كان يحمل كل طفل منا حتى يكمل عامه الأول، ليأخذ الأوراق الرسمية إلى المحامي وممثلي التركة، يقبض الملايين المخبأة في حسابات خارجية، ثم يعود إلى البيت الطفل بنفس بارد، ويدعي أمام العالم والطب أنها لعنة أو “قضاء وقدر”! كان ليقبض ثمنهم! سبعة أطفال… سبع ثروات تُدفع له كيداً وثمناً لدماء أطفاله من صلبه! بينما كنت أمسك الأوراق والأرقام الخيالية المكتوبة أمام عيني، ودموع القهر والغل تغشاني، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب الخارجي للبيت! لقد عاد مبكراً على غير العادة. سمعت خطواته الثقيلة تدخل الصالة، ثم توقفت فجأة… كان صوت حركة المقبض المكسور لمكتبه هو أول ما لاحظه. صمت البيت تماماً، وساد هدوء مرعب، قبل أن ينطلق صوته من خلف باب المكتب المغلق، بصوت هادئ، بارد، وخالٍ تماماً من أي نبرة حزن أو انكسار: “كنت أتمنى إنك ما تفتحيش الصندوق ده يا سمر… كنت فاكر إننا هنقفل الصفحة دي ونحاول من جديد.”