شفت جوزى حكايات رومانى مكرم 2

“.صعد والدي وإخوتي إلى شقتي. فتحتُ لهم الباب، واستقبلتهم بالترحاب، ودخل والدي الصالة، يجول بعينيه في أرجائها، ثم التفت إليّ وضمني إلى صدره بقوة، قائلًا: “رفعتِ راسنا بهدوءك وعقلك يا سارة.. ودلوقتي جاء دور الرجال عشان يرجعوا لك كل قرش وكل شبر كتبه باسمه من خيرك”.فتحتُ الخزنة الصغيرة في غرفة المكتب، وأخرجتُ منها جميع العقود والأوراق التي تدين طارق، والشيكات التي وقّعها لي سابقًا كضمان لأموالي التي شاركته بها في شركته. نظر عمي كمال إلى الأوراق وقال بابتسامة نصر: “القضية دي مش هتاخد أسبوع في المحكمة.
. طارق مش بس هتطلع من بيتك، ده هيتسجن بشيكات وبتبديد ممتلكات، وهيعيش باقي عمره يدفع ثمن السباكة اللي حاول يغلوش عليها!”.وقفتُ أمام النافذة مرة أخرى، ونظرتُ للأسفل. كان طارق يحاول الوقوف بضعف، ينظر إلى نافذة شقتنا بعينين ملأهما الندم الحارق والك. سرة التي لا شفاء منها، بعدما خسر زوجته، وبيته، وسمعته، وشرفه، وأمواله في ليلة واحدة. ابتسمتُ ببرود، وأغلقتُ الستارة النحاسية الثقيلة، لأبدأ مع عائلتي ترتيب خطوات المحاكمة والجلسة العرفية التي ستدمر مستقبله بالكامل…
جلس والدي الحاج عبد الجواد على رأس الطاولة في الصالة، وحوله عمي كمال وإخوتي الثلاثة، وبين أيديهم أوراق الشركة وعقود الشقة والأرض التي ابتعتها من مالي الخاص وكتبت نصفها باسم طارق في أيام الغفلة. كانت نبرة والدي حاسمة وقاطعة وهو يقلب المستندات: “الورق ده يروح الصبح بدري للأستاذ حلمي والمحامي بتاعنا في الصعيد. الشيكات دي تتسجل في النيابة فورًا، والشرطة تتحرك بتقارير التبديد والخيانات الموثقة”.
في تلك الأثناء، لم يتوقف جرس الباب عن الرنين، ولا هواتف إخوتي عن الاهتزاز. كانت الأخبار قد انتشرت في المنطقة كالنار في الهشيم، وجاء كبار العائلات بالحي لتهدئة الأجواء وعقد جلسة عرفية عاجلة في مضافة العمارة لإنهاء المسألة قبل أن تتطور إلى اشتباكات دموية بين عائلتنا وعائلة طارق التي وصل بعض أفرادها بعدما علموا بالفضيحة. نزل والدي وإخوتي إلى المضافة بخطوات ثقيلة، يتبعهم هيبة الصعيد وصرامته.
وقفتُ أنا عند حاجز الشرفة أراقب الموقف. كان طارق قد جُلب إلى منتصف المجلس العرفي، وجهه متورم من ض. رب إخوة نهى، قميصه يلتف حول جسده كالمزقة، وعيناه زائغتان لا تستقران على أحد. إلى جواره جلس والده وشقيقه الأكبر، وهما ينكسان رأسيهما خجلاً وعارًا من صنيعه. افتتح الحاج عبد الجواد الجلسة بصوت جهر به أمام الحاضرين جميعًا: “يا كبار الحي ويا أصول القاهرة.. إحنا أتينا نأخذ حق بنتنا بالعدل والشرف. ولدكم طارق اتؤمن على بيت وعرض، فخان الأمانة في حما بيته ودخل غريبة في حمام بنتنا، وطردته بنتنا بعقل ورصانة، والنهارده إحنا مش جايين نتفاوض على رجوع.



