شفت جوزى حكايات رومانى مكرم 2

ثم جاءني صوت أبي بحشرجة غضب أهزت سكون الغرفة: “خانك في بيتك يا سارة؟! ولد ناس وربّيناه وأمّيناه على عرضنا يقوم يوطي راسنا؟! اقفلي يا بنتي.. ساعة زمن وتلاقي عمك وإخواتك عندك في القاهرة.. حقك مش هيجي بقانون الشارع ولا بكلام الجيران، حقك هيتاخد أصول وعرب عرب!”.أغلقتُ الخط مع والدي وأنا أعلم أن العاصفة القادمة ستقتلع ما تبقى من أثر لطارق في هذه الحياة.

جلستُ على أريكة الصالة، أتابع ببرود حركة الشارع من خلف الستارة. كان طارق يقف في أسفل العمارة، بجوار شجرة اللبّخ القديمة، يتوسل للجيران الذين مروا به وتجاهلوه كأنه طيف لا وجود له. لا يملك هاتفه، ولا محفظته، ولا حتى حذاءً يقيه برد الليل، بعدما خرج مطرودًا مذلولاً بفضل رجولة سامح وغضب الأهالي. وفجأة، لمحتُ سيارة سوداء تقف ببطء عند أول الشارع.

نزل منها رجلان ضخما الجثة، ملامحهما صعيدية حادة، يتجهان مباشرة نحو طارق! كانا شقيقي نهى الكبيرين، اللذين وصلهما الخبر كالصاعقة بعدما طردها سامح ورماها في الشارع. وقف شقيقها الأكبر “حامد” أمام طارق، وجهه مسود من الخزي والعار، وسأله بصوت كأسهام المقابر: “انت طارق؟ انت اللي وضعت راسنا في الطين وخليت أختنا الخائنة تعمل الفعلة دي معك؟”.حاول طارق التراجع والخوف يمتلك كل جوارحه، وصاح بجمود وتردد: “يا جماعة افهموا بس.. أختكم هي اللي جاءت لي.

. أنا مظلوم والله!”.لم ينتظر حامد أن يكمل طارق كلامه، بل هجم عليه بضراوة شديدة، وانهال عليه ض. ربًا ولطمًا برفقة أخيه، وسط ذهول الشارع وسكان العمارة الذين وقفوا يراقبون دون أن يتدخل أحد لإنقاذه. كان الكل يرى أن هذا هو القصاص العادل لرجل لم يحترم جاره ولا زوجته ولا شرف بيته. تركوه ملقى على الأرض، يتأوه ألمًا ودموعه تختلط بالتراب، وقال له حامد وهو يتفل عليه: “دي أول دفعة من حسابك.

. والحساب الكبير لما كبار العائلات تقعد يا خاين!”.في تلك اللحظة، سمعتُ صوت آلات السيارات تعلو في أسفل البناية. كانت ثلاث سيارات من الصعيد تصل في وقت واحد، ينزل منها والدي الحاج عبد الجواد وإخوتي الثلاثة وعمي كمال. نزل والدي بعصاه الأبنوسية ووقاره المعهود، ونظر إلى طارق الملقى على الأرض بنظرة احتقار قاتلة. لم يلمسه، ولم يوجه له كلمة واحدة، بل اكتفى بأن قال لإخوتي: “سيبوه مرمي زي الكلب.. واطلعوا هاتوا حق أختكم المالي والقانوني من البنك والشركات اللي باسمه وسارة مساهمة فيها.. من النهاردة طارق ده مش هيكون له وجود لا في المحاكم ولا في السوق!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *