ابني مات وهو عنده ٢٠سنه

بتسمع وهي ماسكة نفسَها.
كملت القراءة
في هذا المكان محفوظ صندوق فيه عقود قديمة، وصور، ورسائل، وشجرة نسب العائلة، وكل ما يثبت حقوق أصحابها. لم أرد أن تقع هذه الأوراق في الأيدي الخطأ أثناء الخلافات التي فرقت الأسرة.
سكتُّ لحظة.
إذًا كل الحكاية كانت عن أمانة… مش عن سر مخيف.
وفي آخر الرسالة كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف، واضح إنه أضيف بعد سنين
وابنكِ كان آخر من وافق أن يحمل هذه الأمانة، وأصر أن يوصلها بنفسه، وقال لي أمي بتحب تجمع شمل العيلة… وهي أول واحدة لازم تعرف الحقيقة.
انهمرت دموعي.
ابتسمت رغم الوجع.
حتى في آخر أيامه… كان بيفكر فيَّ.
نهى مسحت دموعها وقالت
كان طيب أوي… الله يرحمه.
مددت إيدي ناحية مقبض الباب الحديدي.
لكن قبل ما أفتحه، سمعنا صوت ارتطام خفيف جاي من داخل الغرفة.
كلنا بصينا لبعض.
جوز نهى قال بهدوء
أكيد حاجة وقعت بسبب إن الباب اتحرك.
لكن الصوت اتكرر…
مرة تانية.
ثم ساد الصمت.
أخذت نفسًا عميقًا، ولففت المقبض ببطء…
وبدأ الباب الحديدي يفتح، كاشفًا عن غرفة صغيرة لم يدخلها أحد منذ عشرات السنين، لكن أول ما وقع نظرنا على ما بداخلها…
توقفنا جميعًا في مكاننا من شدة المفاجأة فتح الباب ببطء، وصرير المفصلات كسر الصمت.
دخل جوز نهى الأول، وشغّل كشاف الموبايل.
النور كشف عن غرفة صغيرة، جدرانها من الحجر، وفي منتصفها ترابيزة خشب قديمة.
وفوق الترابيزة…
كان فيه صندوق خشبي كبير، محفور على غطاه نفس شعار الشجرة.
وحواليه أرفف عليها ملفات وصناديق أصغر، كلها متغطية بطبقة سميكة من التراب.
لكن اللي لفت انتباهي مش الصندوق…
كان كوب زجاج عليه شوية مية ناشفة، وكأنه حد شرب منه وسابه من زمن بعيد.
همست معقول المكان ده محدش دخله من سنين؟
جوز نهى قرب من الصندوق وقال شكله مقفول بالمفتاح الصغير.
ناولته المفتاح الذهبي.
حطه في القفل…
ولفّه بهدوء.
تك…
القفل اتفتح.
رفعنا الغطا.
جواه كانت رزم أوراق مربوطة بشرائط قماش، وألبومات صور قديمة، وعلبة مخمل خضراء.
فتحت العلبة.
لقيت فيها خاتم فضة.
نفس الخاتم…
اللي كان لابسه الرجل العجوز يوم سلمني الرسالة.
وتحته ورقة صغيرة مكتوب فيها
من يحمل هذا الخاتم، يصبح أمين الأمانة بعدي.
بصيت لنهى باستغراب.
قالت يبقى الأستاذ محمود كان آخر أمين.
بدأنا نقلب في الأوراق.
كان فيها عقود ملكية قديمة، وصور للعيلة من أكتر من أربعين سنة، وخطابات متبادلة بين أجدادنا.
وفجأة…
وقع ألبوم صور من بين الملفات.
فتحته.
وأول صورة فيه كانت صورة لابني…
لكن مش وهو كبير.
كان طفل عنده حوالي خمس سنين.
اتجمدت.
أنا متأكدة إن الصورة دي عمرها ما كانت عندي.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت صورة تانية…
أنا وابني.
في عيد ميلاده السادس.
الصورة دي كمان اختفت من البيت بعد الحادث، وفضلت أدور عليها شهور.
بصيت لنهى وقلت
إزاي الصور دي هنا؟!
وقبل ما حد يرد…
لقينا ظرفًا صغيرًا وقع من بين صفحات الألبوم.
كان مكتوب عليه بخط الأستاذ محمود
هذه الصور أخذها ابنك بنفسه قبل الحادث بأيام، وقال احتفظ بيها مع الأمانة… ولما أمي تستلمها، قولها متزعلش إني أخدتها من غير إذنها، كنت عايز أعملها مفاجأة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من خمس سنين…
حسيت إن جزءًا من ابني رجع إليّ.
لكن بينما كنا نجمع الأوراق…
لاحظ آدم شيئًا غريبًا في آخر الغرفة.
كان هناك درج خشبي صغير، نصف مفتوح.
اقترب منه بهدوء، ثم ناداني
أبلة… هو ده كان مقفول ليه؟
ولما فتحنا الدرج بالكامل…
وجدنا بداخله مفكرة جلدية سوداء، وعلى أول صفحة منها مكتوب بخط ابني
يومياتي… ممنوع أي حد يقرأها إلا أمي شهقت، ومددت إيدي ناحية المفكرة.
كانت قديمة شوية، لكن واضح إنها كانت متحافظ عليها كويس.
لمست الغلاف بإيدي، وكأني بلمس إيد ابني.
فضلت ثواني مش قادرة أفتحها.
نهى حطت إيدها على كتفي وقالت بهدوء
اقريها… دي كانت أمنيته.
فتحت أول صفحة.
كان كاتب في أولها
لو أمي بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجود قدامها… بس أتمنى لما تخلص، تبتسم، ومتعيطش.
دموعي نزلت غصب عني.
قلبت الصفحة.
كان بيكتب عن أيامه العادية…
عن الجامعة…
وأصحابه…
وأحلامه.
وفي كل كام صفحة، كان يكتب سطرًا عني.
أمي بتتعب أوي… ولازم أخليها ترتاح.
نفسي أجيب لها بيت أكبر.
كل ما أكبر، بحس قد إيه هي ضحت عشاني.
كل كلمة كانت بتوجعني، وفي نفس الوقت بتطمني إن ابني



