قبل رحيله بساعات

حدقت فيه.
كان مطابقًا تقريبًا للقالب الذي احتفظت به في مطبخي طوال سنوات.
قلت دون وعي:
من أين حصلتِ عليه؟
نظرت نوال إلى القالب.
كان لابنة فؤاد.
رفعت عيني إليها.
ما اسمها؟
قالت:
مريم.
شعرت بشيء ينقبض في صدري.

فتحت نوال إحدى الصور.
كان فؤاد فيها أصغر بعشرات السنين، يقف إلى جوار امرأة لم أعرفها ويحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه.
كانت الطفلة تضحك وفي يدها قطعة من فطيرة على شكل نجمة.
لم أستطع إبعاد عيني عن الصورة.
هذه مريم؟
أومأت.
كانت في الخامسة حين ماتت.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
ماتت كيف؟
تنهدت نوال.
.
ثم أضافت بعد لحظة:
كان فؤاد معها يومها.
رفعت عيني إليها.
هل كان السبب؟
هزت رأسها بسرعة.
لا. لكنه أقنع نفسه بذلك.
وضعت الصورة على الطاولة.
كانت الأسرة في نزهة قرب البحيرة وحدث كل شيء في لحظات. لم يستطع إنقاذها.
ابتلعت ريقي.
ولهذا لم يخبرني عنها؟

بعد موتها، انهار فؤاد تمامًا. انتهى زواجه الأول وأغلق كل ما يخص مريم في صندوق ورفض الحديث عنها حتى مع أقرب الناس إليه.
نظرت مرة أخرى إلى قالب النجمة.
وفجأة عادت إلى ذاكرتي عشرات الصباحات التي قضيتها مع فؤاد في المطبخ.
رائحة التفاح والقرفة.
صوت المقلاة.
ابتسامته حين كان يضع أمامي الفطيرة التي تأخذ شكل نجمة.
قلت بصوت خافت:
الفطائر…
رفعت نوال عينيها إليّ.
كانت فطائر مريم المفضلة.
لم أستطع الكلام.
طوال حياتي كنت أظن أن فؤاد صنع تلك العادة من أجلي.
كنت أظن أن شكل النجمة كان تفصيلًا صغيرًا اخترعه لي وأن فطائر التفاح كانت واحدة من الذكريات التي صنعناها معًا.
لكنها لم تكن كذلك.
كانت ذكرى فتاة أخرى.
فتاة أحبها أبي قبلي.

شعرت بوخزة غريبة في صدري، خليطًا من الحزن والغيرة والذنب.
وكأنني أغار من طفلة ماتت قبل أن أعرف بوجودها.
لاحظت نوال ما يدور في وجهي، فقالت:
لا تنظري إلى الأمر بهذه الطريقة.
كيف أنظر إليه إذن؟
قالت:
فؤاد لم يحبك بدلًا منها.
سكتت لحظة.
ولم يجعلك تحلين مكانها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
أنتِ كنتِ السبب الذي جعله يكتشف أنه يستطيع أن يتذكر مريم دون أن من الألم.
نظرت إليها.

كيف؟
قالت:
بعد زواجه من أمك بفترة قصيرة، طلبتِ منه ذات صباح أن يصنع لك فطائر على شكل نجوم. لم يكن يتوقع أنك ستطلبين ذلك، لكنه دخل المطبخ وأخرج القالب القديم.
وضعت يدها على الصورة.
في ذلك اليوم، اتصل بي فؤاد وهو يبكي. قال إنه صنع فطائر النجوم للمرة الأولى منذ موت مريم.
سكتت قليلًا.
لكنه قال شيئًا آخر.
ماذا؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
قال إنه للمرة الأولى فهم أن تذكر مريم لا يعني أنه ممنوع من أن يحب طفلة أخرى.
نظرت إلى الصورة.
ثم تخيلت فؤاد في مطبخنا القديم وأنا طفلة صغيرة أراقبه وهو يسكب العجين في القالب نفسه.
وفجأة لم تعد ذكرياتي تبدو كما كانت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *