قبل رحيله بساعات

انهمرت دموعي.
لكنه لم يخترني في البداية.
لا أحد يعرف كيف يبدأ الحب، يا سلمى. لكنه عرف كيف يختارك كل يوم بعد ذلك.
سكتُّ طويلًا.
ثم نظرت إلى الصورة القديمة مرة أخرى.
مريم.
طفلته الأولى.
الفتاة التي ظننت للحظات أنها سرقَت مني شيئًا.
لكنها لم تفعل.
فؤاد لم يحبني أقل لأنه أحبها.
بل ربما أحبني بهذه القوة لأنه عرف من قبل كيف يمكن للحب أن ينتهي بالفقد.
مدت نوال يدها إلى الصندوق وأخرجت صورة أخرى.
كانت لي وأنا طفلة صغيرة، أجلس إلى جوار فؤاد في المطبخ وأرفع فطيرة تفاح محترقة من أحد أطرافها.
ضحكت وسط دموعي.
كنت أكره حين أطرافها.
قالت نوال:
وكان يقول إنك تأكلينها مهما كانت سيئة.

ابتسمت.
كنت أقول له دائمًا إنني لا أملك خيارًا، لأن البديل كان عصيدته.
ضحكت نوال وضحكت معها.
وللمرة الأولى منذ بدأت هذه الليلة، شعرت أنني أتنفس.
ثم نظرت إلى الساعة.
وتجمدت.
المستشفى.
نهضت فورًا.
كنت قد تركت فؤاد هناك.
وركضت نحو الباب.
قالت نوال:
خذي هذا.
التفتُّ.
كانت تمد إليّ قالب النجمة.
فؤاد أراد أن يكون معك.
أخذته بيدين مرتجفتين.
وضممته إلى صدري.
ثم اندفعت إلى سيارتي.
طوال الطريق، لم أفكر إلا في شيء واحد.
كنت أريد أن أخبره أنني فهمت.
أنني لم أعد غاضبة.
وأن سره لم يجعلني أراه بصورة مختلفة.
بل جعلني أراه للمرة الأولى كاملًا.
الرجل الذي فقد ابنته.
الرجل الذي خاف أن يحب من جديد.
والرجل الذي، رغم كل خوفه، عاد إلى طفلة صغيرة تنتظره تحت طاولة المطبخ.
وعندما وصلت إلى المستشفى، كانت الممرضة تنتظرني عند باب غرفته.
نظرت إلى وجهها.
وفهمت.

لا…
قالت بهدوء:
أنا آسفة.
دخلت.
كان فؤاد مستلقيًا تحت الغطاء نفسه.
لكن الأجهزة كانت قد صمتت.
اقتربت منه وجلست إلى جواره وأمسكت يده.
كانت باردة.
وضعت جبيني عليها وقلت:
كان عليك أن تخبرني يا أبي.
بكيت.
كنت سأفهم.
ثم أخرجت قالب النجمة من جيبي ووضعته إلى جوار يده.
بعدها أعطتني الممرضة متعلقاته.
ساعة.
مفاتيح.
منديل.
ومحفظته القديمة.
فتحتها.
وخلف بطاقته الشخصية كانت هناك صورة قديمة.
مريم.
كانت تبتسم أمام طبق من فطائر التفاح على شكل نجمة.
وبجانبها…
كانت هناك صورة أخرى.
صورتي وأنا طفلة، أحمل فطيرة من أحد أطرافها وأضحك.
كان قد احتفظ بالصورتين معًا.
جلست أحدق فيهما طويلًا.
وفهمت أخيرًا.
لم يمحُ مريم من حياته كي يفسح لي مكانًا.
ولم يحبني لأنها كانت قد رحلت.
كان يحمل ابنتيه في قلبه معًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *