بنتي مبقاش لها أم

الأسبوع ده كان أطول فترة في حياتي. كل يوم أصحى وأنا خايفة.. كل ليلة أنام وأنا فاكرة أين سأذهب. أحمد كان يحاول يهدّئني:
مهما كان الحكم.. هنكون مع بعض. ده المهم.
في اليوم المحدد، ذهبنا للمحكمة بقلوب خايفة. دخلنا القاعة.. القاضي وقف ونطق الحكم:
بعد الاطلاع على السندات والشهادات.. المحكمة تقضي بنقل ملكية البيت ل رضوى.. بناءً على أن ثمنه دُفع من مال والدها، وأن زوجها لم يشارك في بنائه ولا صيانته، وتخلى عن أسرته لفترة طويلة.
دموعي نزلت بلا سيطرة.. رفعت راسي وشفت أحمد بيبتسم ودموعه في عينيه. مصطفى صرخ:
ده ظلم! أنا هاستأنف!
الاستئناف مش بيوقف الحكم رد القاضي بهدوء: والحق ما يُلغى.
خرجنا من المحكمة وأشعة الشمس بتضوي في عينينا.. كأن الدنيا كلها اتفتحت.
رجعنا قلت وأنا أمسح دموعي.
رجعنا قال أحمد وابتسامته أضاءت المكان كله.
لكن مصطفى لم يسكت.. بدأ ينتشر الكلام في القرية: أعطوها البيت عشان الراجل الغريب، خانته مع صاحبه، القاضي اتأثر بكلامهم. كلام مؤلم ومسموم.. وصل لي كل كلمة.
في البداية كنت أتألم.. كنت أخجل من الخروج. بس أحمد قال لي كلام غيّرني:
الناس اللي بتحبكِ عارفة حقيقتكِ.. والباقي وقتهم يثبت لهم. ما تعيشي عشان ترضي أحد.. عيشي عشان نفسك وعشان العيال.
بعد شهر، بدأت أعود لسوق الجمعة.. أبيع المربى والمخلل زي ما كنت. في الأول ناس ابتعدوا، بس شيئاً فشيئاً رجعوا.. عرفوا إن كلام الناس مش دليل.
وذات يوم، وأنا راجعة من السوق، شفت مصطفى واقف على الطريق.. كان وحيد، شكله متعب، واللي معاه تركته وخليته وحيد. لما شافني ما نطقش.. بس نزل راسه ومشى.
عرفت إنه خسر كل حاجة.. الفلوس راحت، الست هربت، والناس ابتعدت عنه. قلبي اتألم شوية، بس ما رجعتش في كلامي.. الظلم ما يُنسى.
مرت السنين بسلام.. البيت اتجمل أكتر فأكتر. أحمد ما تركني أبداً، وكل يوم كان يثبت لي إن الحب مش كلام.. هو أفعال.
أماني كبرت وبقت تشبه أمها وأبوها معاها.. ذكية وحنونة، وتحب ياسين ويحبها. عمر كبر وبدأ يفهم الدنيا.. كان بيننا وبين مصطفى انقطاع تام، لحد ما جاني خبر بعد سنوات:
مصطفى مريض جداً.. وحيد في المستشفى.
ترددت كتير.. أروح ولا ما أروحش؟ قلت لأحمد:
مش عارفة أعمل إيه.. هو أذاني كتير.
أنتِ حرة قال بهدوء: السامح كريم.. وما حدش يقدر يلومكِ لو ما سامحتيش.



