استغلال عمياء حكايات صافي هاني 1

وتحتها، ورقة تانية.
تقرير طبي قديم، من اليوم اللي وقعت فيه في الحمام.
أنا طول عمري بقول إني اتزحلقت لوحدي.
الورقة دي كانت بتقول إن الصبح ده، في الشقة، كان فيه حد تاني معايا.
قعدت على أرض المطبخ والورقتين في إيدي.
كان ممكن أخد دنيا في حضني وأجري برا البيت في ساعتها.
أو كان ممكن أفضل، لأسبوعين كمان، العمية اللي هما فاكرين إنهم لسه بيغفلوها.
قفلت الظرف. ورجعته زي ما كان، في القعر خالص.
بالليل ده، ابتسمت لمصطفى وقلتله إني بحبه أوي.
لأنهم لو كانوا مستنيين إمضتي عشان يخلصوا مني ويخفوني من الدنيا، فأنا كمان بقى عندي وقت.
الوقت اللي هما ميعرفوش إني بقيت بشوف فيه.
وبعيني الجديدة دي، أول حاجة هعرفها مش جوزي بيخوني مع مين، لأ.. أنا هعرف مين اللي زقني بجد الصبح ده في الحمام من سبع سنين فاتوا:
الورقتين في إيدي كانوا زي الجمر. طيف مروة ومصطفى وهما داخلين من باب الشقة خلاني أتحول لتمثال. رجّعت كل حاجة مكاها في الدرج بسرعة وبحرفية السبع سنين اللي فاتوا، وقفت ورا الباب وفردت العصاية البيبا في إيدي، ورجعت ملامحي لجمودها اللي حفظوه.
الأسبوعين عدوا وأنا برتب ليلتي الأخيرة في سجنهم. كنت بشوفهم بوضوح وهم بيتحركوا حواليا زي التعابين، مصطفى بيمضي شيكات بفلوسي ومروة بتنقل شنط لبسها براحة من ورايا، والاتنين مستنيين اللحظة اللي همضي فيها على “ورقة التنازل الكبيرة” اللي مصطفى مفهمني إنها لتوكيل بيع بيت أبويا الله يرحمه، وهي في الحقيقة تنازل عن كل مليم، وبوليسة التأمين مستنية برة.
يوم الخميس بالليل، البيت كان هادي هدوء مرعب. دنيا كانت نامت، ومصطفى دخل عليا الأوضة وهو ماسك ملف جلدي أسود، وفي إيده القلم.
قعد جنبي على السرير، أخد إيدي وباسها بحنيته المزيفة اللي بقت بتخليني عايزة أرجع، وقال بصوت واطي حنين:
— “يلا يا روحي، عشان نخلص موضوع أرض المحافظة وتتباع ونرتاح، ورقة واحدة بس وفاضل إمضاكِ، هحطلك صباعك على أول السطر زي كل مرة.”
هزيت دماغي بضعف ومثلت الخوف:
— “ماشي يا مصطفى.. بس هاتلي بق مية الأول ريقي ناشف أوي من الصيام.”
أول ما قام وخرج من الأوضة رايح المطبخ، قمت في ثانية. مديت إيدي تحت المرتبة، طلعت الورقة التانية.. “التقرير الطبي القديم” بتاع يوم حادثة الحمام. الورقة دي مكنتش مجرد تقرير، دي كانت شهادة ميلاد لـ إبليس اللي عايش معايا. التقرير كان فيه بند صغير مكتوب بخط يد الدكتور المسعف: “وُجدت خصلات شعر طويلة مصبوغة باللون الأشقر النحاسي عالقة في قبضة يد المصابة نتيجة المقاومة قبل السقوط.”




