بعد ماجوزى مات

أمي قعدت تعيط في الشارع تحت الشجرة قدام العمارة وكأني رميتها في الشارع، وكريم كان بيحط الشنط في العربية الربع نقل وهو مش قادر يحط عينه في عيني.
على مدار اليومين اللي بعدهم، الموبايل مكنش بيبطل زن ورسايل من قرايبنا: “إزاي تعملي في أمك كده؟” “دي كانت عاوزة تساعدك وتلمك!” “أحمد لو عايش كان هيتكسف من عمايلك دي!”
الرسالة الأخيرة دي قطمت وسطي.. خلتني أقعد على أرض أوضة الأطفال وأعيط بدموع قهر لحد ما فريدة صحت وبقت تعيط معايا.
في نفس الليلة، الأستاذة فريدة بعتت لي ملف على الواتساب.
كانت رسالة أحمد الأخيرة.. كتبها قبل عمليته الأخيرة وشالها مع أوراق المحامية لأنه كان خايف إن الصدمة والحزن يخلوني ضعيفة وفريسة لأي حد.
“علا حبيبتي،” الرسالة بدأت كده.. “حبي بنتنا بقلب أقوى من خوفك من الوحدة.” شرح لي في الرسالة إن فلوس التأمين دي مش تعويض عن غيابه.. دي حمايتنا، ده الأمان والوقت اللي أقدر أقفل فيه باب بيتي لما الدنيا تطلب مني أكتر من طاقتي.
وبعدين وصلت للجملة اللي غيرت كل حاجة في نظري: “أوعي تخلي أمك تعيش معاكي في الشقة.”
ضحكت وعيطت في نفس الوقت.. أحمد كان قاريها وفاهمها كويس أوي، حتى في الوقت اللي أنا كنت فيه مغمية عيني ومش قادرة أشوف الحقيقة.
بعد تلات أسابيع، غيرت كوالين الشقة كلها، وركبت كاميرات مراقبة على الباب، وبعتّ جواب رسمي عن طريق المحامية: مفيش زيارات، مفيش أي تواصل يخص فريدة، ومفيش أي مطالبة بالشقة دي.
في الأول، أمي ردت بالسكوت.
وبعدين بعتت كريم عشان يتأسف لي.
وقف على باب الشقة وحاطط إيده في جيبه، واعترف لي إن أمي كانت واعداه بالأوضة الكبيرة اللي برة بعد ما “يستقروا ويحطوا إيدهم على الشقة”. مكنش فيه ملحق ولا حاجة، خطتها كانت إنها تقعد كريم في أوضة مكتب أحمد، وتقعدني أنا وبنتي في الأوضة الصغيرة زي الضيوف.
مقولتلوش ادخل.. بس سامحته كفاية عشان أقول له جملة واحدة: “ابدا فكر لنفسك بقى.. واكبر.”
الربيع جه براحة السنة دي.
فريدة بدأت تتعلم تتقلب على البطانية في الصالة والشمس مالية أرضية الخشب. زرعت لافندر في البلكونة عشان أحمد كان بيحب ريحته، ودهنت أوضة فريدة بأخضر هادي.
ساعات الشقة بتبقى هادية بزيادة.. هدوء يوجع. وساعات الحزن بيقعد معايا على السفرة وأنا باكل كأنه شخص قاعد على الكرسي الفاضي.




