حماتي كل ما تاكل حكايات زهره الربيع 3

ما نطقتش بكلمة.. سحبت الجواب من جيبي وحطيته على الترابيزة قدام حمايا وحماتي. حمايا بص للجواب باستغراب، وسحبه وفتحه وقرأ الكلمات المكتوبة فيه. شفت ملامحه بتتغير في ثواني؛ النظرة الحنونة الطيبة اختفت، وتحولت لملامح وجوم وصدمة ورعب ما شفتوش في عينيه حتى لما سمر هجمت بالبلطجية على العمارة! حماتي لاحظت التغير وقالت بخرعة: — «فيه إيه يا حاج؟! الجواب ده فيه إيه؟! وريني كده!» حمايا قفل الجواب بسرعة وبقوة في إيده، وبصلي بصارمة وعيون زي جمر النار، وقال بصوت واطي ومكتوم بس يقطع النفس:

— «الجواب ده جالك إمتى يا هالة؟ ومين اللي إدالك إياه؟!» قلت له وأنا برتجف: — «جالي امبارح بالليل.. ست لافة طرحة سودا رمت الجواب من تحت الباب وجريت.. إيه هو السر يا عمي؟ إيه اللي بتخفوه عليا وعلى خالد؟! ومين العيلة دي بالظبط؟!» حمايا قام وقف، وبص للشباك المقفول وكتفانه محنية كأنه شايل جبل تقيل، ولفت وشها لحماتي وقالها جملة خلّت حماتي تصرخ وتحط إيدها على فمها بذهول: — «كان لازم نعرف إن الأيام مش هتسيبنا في حالنا.. السر اللي اندفن من ثلاثين سنة، طلع يطاردنا من جديد يا أم خالد!»

حماتي بدأت تبكي وتقول: — «لا يا حاج! بلاش نفتح الأبواب المقفولة! هالة دي بنتنا وخالد ابننا، بلاش تخرب البيت بيديك!» أنا صرخت فيهم بأعلى صوتي والدموع نازلة من عيني: — «أنتم بتتكلموا عن إيه؟! افهموا!! أنا مش هتحرك من هنا ولا هسكت إلا لما أفهم إيه العلاقة بيني وبين أصل العيلة دي، وليه الجواب بيقول إن خالد وأبوه يخفوا سر عن أصل العيلة أشد من السموم!» حمايا اتنهد تنهيدة طويلة وموجوعة، وقرب مني، وقعد قدامي مسك إيدي بكسرة وقال:

— «السر يا هالة مش عن الفلوس والأرض اللي كتبناهالك.. السر عنك أنتِ وعن خالد بالذات.. السر إن خالد جوزك.. ما كانش المفروض يكون من العيلة دي أصلاً، وأبوكي الله يرحمه.. هو السبب الحقيقي في القصة دي كلها!» اتسمرت مكاني والأرض بدأت تدور بيا. الكلام نزل على دماغي زي المطرقة، وبصيت لحمايا بعيون مبرقة ومش قادرة أستوعب الحروف اللي تخرج من فمه. خالد.. جوزي وسندي.. ماله بـ أبويا الله يرحمه؟ وإيه العلاقة السريّة اللي جمعت بين أبويا وعيلة حمايا من أكثر من ثلاثين سنة؟

حماتي كانت قاعدة على الأريكة بتبكي بصلة وصوت مكتوم، تغطي وشها بإيديها، وحمايا ينظر للأرض بكسرة حقيقية، كأن الجواب الخفي ده سحب من جسمه كل القوة والصلابة اللي كان يتظاهر بيها قدام الكل. قربت من حمايا وصوتي بيترعش من الخوف والذهول: — «أبويا؟! أبويا الله يرحمه ماله ومال خالد؟! افهم يا عمي أرجوك.. أنت بتقول إيه بالضبط؟!» حمايا حط إيده على ركبته وبدأ يتكلم بنبرة مليانة ألم وندم، بصوت هادي طالع من أعماق الماضي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *