حماتي كل ما تاكل حكايات زهره الربيع 3

— «من ثلاثين سنة يا هالة.. أنا وأبوكي الله يرحمه كنا أصحاب عمر وأخوات ما ولدتمش أم واحدة. كنا شغالين مع بعض في التجارة والمقاولات هنا في القليوبية. وفي يوم من الأيام، حصلت حادثة سير بشعة على الطريق الزراعي، عربية أبوكي اتصدمت بنقل تقيل.. أبوكي نجا بفضل ربنا، بس العربية التانية كان فيها عيلة مسافرة، مات الأب والأم في اللحظة، وما نجلش من الحادثة دي غير طفل صغير عمره شهور..»

بلعت ريق بصعوبة وسألته: — «الطفل ده.. هو خالد؟!» حمايا هز رأسه بدموع وقال:

— «أيوه يا هالة.. خالد هو الطفل ده. أبوكي لما شاف الطفل ومأساة العيلة اللي انتهت في ثواني، جالي وهو بيبكي وبيتقطع من الذنب، وقال لي: “يا عوض الله، العيل ده ماليش أي ذنب في الموت اللي حله بعيلته، وأنا مش هسيبه يتربى في ملجأ ولا يتغلب في الدنيا”. أبوكي نسب الطفل ليا أنا وأم خالد، لأننا وقتها كنا متجوزين وبقالنا سنين ربنا ما رزقناش بعيال والأطباء قالوا إن أملنا ضعيف. أنا وأم خالد أخدنا الطفل، وكتبناه باسمي وربيناه كأنه ابننا البكر وسرنا المكتوم ما حدش يعرفه في الدنيا غيري أنا وأبوكي وأم خالد!»

أنا دموعي نزلت بانهيار، وسألته بحشرجة: — «طب وطالما أبويا هو اللي جابهولكم، وليه الجواب بيقول إن فيه خطر وعلاقة سرية تخفوها عن أصل العيلة؟ وليه خالد بالذات ما يعرفش؟!» حمايا كمل وهو بيمسح دموعه:

— «لأن العيلة اللي ماتت في الحادثة يا بنتي.. ما كانتش عيلة عادية. كانت عيلة كبيرة وناقذة في الصعيد، وكان بينهم وبين عائلات ثانية تار ودم قديم! وقتها، أبوكي وأنا خفنا لو السر اتعرف أو أهله العصب عرفوا بمكانه، يأخدوا الولد ويغرسوه في بحر الدم والتار، أو يتأذى بسببه! علشان كده دفنا السر، وقطعنا كل خيط يربط خالد بأصله الحقيقي وحميناه في بيتنا. وأبوكي الله يرحمه قبل ما يموت، وصاني وقالي: “يا عوض الله، لما تكبر هالة وتتجوز خالد، اكتب الأرض والبيت باسمها هي، عشان تكون دي الأمانة اللي بنرد بيها حقه ونحميهم هما الاثنين بملك حلال”.»

البيت سكت تماماً.. الحقيقة ظهرت بكل وضوح ونقاء. مفيش خيانة، ومفيش سر خبيث زي ما الجواب المسموم كان بيحاول يوهمني.. كان فيه حب، ورحمة، وأمانة اتصانت بين راجلين أوفياء للعهد لأكثر من ثلاثين سنة! قلت له وأنا ببكي من شدة التأثر: — «مين بقى الست اللي رمت الجواب يا عمي؟! مين اللي جاية تفتح الجروح دلوقتي؟!» قبل ما حمايا يرد، الباب الخارجي اتفتح ودخل خالد وهو راجع من شغله، وبص لنا واستغرب منظارنا والدموع اللي في عينا..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *