كتب الكتاب حكايات رومانى مكرم 2

أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، وأنا الفرحة والراحة اللي حسيت بيهم من شوية اتبخروا في ثانية. الغل والخوف اللي كانوا جوايا ناحية الحاجة أم نصر اتطايروا وحل محلهم شفقة ووجع إنساني. مهما عملت، المــ,,ـــــوت والمرض لما يدخلوا الخط، كل الحسابات بتتغير. قمت وقفت ومسكت إيد طاهر اللي كانت بتترعش كأنه طفل تايه: “يلا يا طاهر.. يلا نروحلها فوراً.” بصلي بذهول ودموعه نزلوا على خدوده: “بعد كل اللي عملته فيكي يا رحمة؟ بعد ما كانت عاوزة تذبحك وتهينك؟”
رديت عليه بثبات وضمت إيده أكتر: “هي غلطت في حقي وجاهلية رأسها كانت هتمرر عيشتنا، بس هي دلوقتي بين إيدين ربنا.. وأنت ابنها وأنا مراتك، ومش إحنا اللي نشمت في المرض والزنقة. يلا بينا.” نزلنا نجري على المستشفى، الطريق كان طويل وقاسي وكل ثانية بتعدي كأنها سنة. طاهر كان سايق وإيده على الطارة بتتعصر، ودعواته متلخبطة بين الخوف عليها والوجع منها. أول ما وصلنا المستشفى الميري التابعة للسجــ,,ـــــن، الهدوء هناك كان يرعب. ريحة المطهرات والحديد والمخبرين الواقفين على الأبواب يضغطوا على النفس. طاهر دخل يسأل بلهفة، وأمين الشرطة ودانا لحد باب العناية المركزة.
كان واقف بره الحاج صابر كبير العيلة بعد ما جاله خبر، وشه كان حزين ومجهد. أول ما شافنا قرب من طاهر وطبطب على كتفه: “ادخل يا ابني.. الدكاترة بيحاولوا يسعفوها، بس الجلطة كانت شديدة، والضغط علي عليها من الخزي والخوف.”
الظابط المسؤول سمحلنا ندخل أنا وطاهر بس لثواني معدودة. دخلنا الأوضة، صوت أجهزة النبض كان بيلطش في الروح. الحاجة أم نصر كانت نايمة على السر,,ـــــير، الأجهزة متوصلة بجسمها من كل ناحية، وشها الشديد اللي كان بيفزّع القلوب بقى أصفر ومكمد، وشفايفها ميتة.
طاهر ارتمى على إيدها وباسها وهو بيبكي بالصوت: “أمي.. أنا طاهر يا أمي! سامحيني يا أمي، والله ما كنت عاوز الأمور توصل لكدة، بس أنتِ اللي قسيتي عليا وعلى مراتي!”
جهاز النبض بدأ يزمر بسرعة، والحاجة أم نصر فتحت عينها بالعافية. بصت لطاهر وبكت، دمعة تقيلة نزلت من عينها وبلت المخذة. وبعدين حركت حدقة عينها بالراحة وراحت باصّة لي أنا. قربت منها بخطوات بطيئة، ومسكت إيدها التانية بالراحة. بصتلي بنظرة مفيهاش أي غل أو تحكم، كان فيها رجا وألم وتوسل كأنها بتطلب المغفرة من غير ما تقدر تنطق.




