كتب الكتاب حكايات رومانى مكرم 2

الحاج صابر بص للحاج جابر ونطق بحكم حاسم وقاطع كأنه السيف: “يا جابر.. أنت وبنتك وأختك أم نصر مالكمش قعدة معانا تاني! الحرمة اللي تدخل بيت ابن عمها بمية نــ,,ـــــار، والأب اللي يربي بنته على الغل والإجرام، مالهمش مكان وسط شرفاء العيلة!”
رفع إيده وشاور على سمر والحاج جابر وقال: “النيابة والقانون ياخدوا مجراهم فيكم كلكم! وسمر دي تتسحب على قسم الشرطة فوراً بتهمة الشروع في ال. وإحداث عاهة مستديمة! وما حدش من العيلة كلها يجرؤ يرفع عينه في وش طاهر أو مراته، واللي يمسهم بشعرة، هكون أنا أول واحد أقطع رقبته بنفسي!”
شبّان العيلة اتقدموا وأخدوا سمر وهي بتصرخ وتترجى، والحاج جابر مشى وراهم مطأطئ رأسه في الأرض من كثرة الخزي والعار.
البيت فجأة هدي، والحاج صابر قرب من طاهر، وحط إيده على كتفه وقال بصوت فيه حزن وأبوه: “سامحنا يا ابني.. الجهل كان عمينا، والعار كان هيصيبنا كلنا بسببهم. أنت راجل وسيد الرجالة، ومرتك دي بطلة ومتربية صح.” طاهر هز رأسه باحترام، والحاج صابر انسحب مع باقي الرجالة، وقفلوا الباب وراهم.
طاهر جرى على أمي، شالها بالراحة وقعدها على الكنبة، وجاب لها مية وسمّى عليها، وبعدين جاء وقعد جنبي على الأرض، وحط رأسه في حــ,,ـــــضني وبكى.. بكى بكاء راجل مقهور ومصعوق من اللي عملوه أهله وناسه فيه وفي مراته. مسحت على شعره ودموعي نازلة، وقولت له بصوت هادي: “خلاص يا طاهر.. الكابوس انتهى، والحق ظهر قدام الدنيا كلها.” طاهر رفع رأسه وبص في عيني، ومسك إيديا الاتنين وباسهم بحرارة: “والله العظيم يا رحمة لأعوضك عن كل لحظة رعب عشتيها بسببهم.. من النهاردة مش هنفضل هنا، هنمشي ونبعد عن الجهل ده كله ونبدأ حياتنا في مكان نظيف يقدرك ويحميكي.”
ابتسمت له وسط دموعي، وحسيت لأول مرة إن الأمان بدأ يرجع لقلبي.. بس فجأة، التليفون بتاع طاهر رن بصوت عالي ومزعج. طاهر طلع التليفون وبص في الشاشة، ووشه اتغير تماماً ورجع أصفر زي الميت.. كان الرقم جاي من مستشفى السجــ,,ـــــن، والمتحدث بيقوله: “ألحق يا طاهر بيه.. الحاجة أم نصر أمك جالتها جلطة مخجأة في التخشيبة ونقلوها العناية المركزة وهي بين الحياة والمــ,,ـــــوت وبتقول عاوزة تشوفك انت ورحمة!”
طاهر اتسمر مكانه والتليفون بيتهز في إيده، النبرة الخارجة من السماعة كانت زي صفعة شديدة فوقتنا كلنا من لحظة الأمان المزيفة. بصلي وعينيه مليانة تخبط وعذاب مش طبيعي؛ بين حقه وعذاباته مع أمه اللي كانت هتدمر حياتي، وبين إنها في الأول والأخر أمه اللي دمها في عروقه. أمي اتنفضت من على الكنبة وقالت بلهفة: “في إيه يا ابني؟ مين اللي بيتكلم والوش جاب ألوان ليه كدة؟” طاهر بلع ريقه بالعافية وصوته طلع مكسور ومحششر: “أمي.. أمي أجيلها جلطة في الدماغ ونقلوها مستشفى السجــ,,ـــــن في العناية المركزة.. وبيقولوا حالتها حرج جداً وعاوزة تشوفنا.”




