اخويا عزم خطيبته 2

ركبنا عربية المحامي، وطول الطريق للقاهرة كنت حاطة إيدي على قلبي، والأفكار بتطحن في عقلي طحن. يا ترى جَرى له إيه؟ هل أكل نفسه من الغل والندم؟ ولا الشوق ليوسف قتله؟ ونور كانت جنب ساكتة، باصة من شباك العربية وبتمسح دموعها بخوف.
وصلنا مستشفى كبير في وسط البلد. المحامي مشي قدامنا بسرعة ودخلنا الدور التاني، لحد ما وقفنا قدام العناية المركزة. هناك لقيت أخته “وفاء” وقفة بتبكي، أول ما شافتني جِريت عليّ وأخدتني في الحضن وهي بتصرخ: “الحمد لله إنك جيتي يا فضل! عصام ضاع يا فضل.. عصام بين إيدين ربنا!”.
سألتها بصدمة وأنا برتعش: “حصل إيه يا وفاء؟ ماله عصام؟”.
وفاء غطت وشها بإيديها وبكت بحرقة وقالت: “من يوم ما مشيتوا وهو قافل على نفسه الشقة، بطل ياكل وبقى يشرب سجاير بشراهة مش طبيعية، وكان بيفضل قاعد في أوضة يوسف بالليالي يبكي وينادي عليه. من أسبوع جاله جلطة شديدة في القلب ونقلوه هنا، والدكاترة قالوا إن حالته متأخرة جداً وقلبه مش قادر يتحمل، ولما صحي النهاردة الصبح الصبح، أول حاجة نطقها كانت اسمك واسم نور.. صرخ وقال هاتوا لي نور قبل ما !”.
الكلام دخل قلبي زي السكاكين. بصيت لنور اللي كانت واقفة مستخبية ورايا ومسكة في ضهري بحماسة. في اللحظة دي، خرج الدكتور من العناية المركزة وبص لنا وقال: “مين المدام فضل ونور؟ المريض جوه فاق وطلبكم بالاسم، بس أرجوكم بلاش أي انفعال لأن الحالة حَرجة جداً وممكن يفقد الوعي في أي لحظة”.
مسكت إيد نور وفتحت باب العناية المركزة بخطوات بطيئة، وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني. ريحة المطهرات وصوت الأجهزة اللي بتبص بصوت منتظم كانت . قربنا من السرير.. وعيني وقعت على عصام!
انصدمت من شكله.. الراجل القوي اللي كان مالي البيت بصوته وهيبته، بقى مجرد جثة هامدة مرفوعة على الأجهزة، وش أصفر زي الليمون، وجسمه خاسس للنصف، وعينيه غايرة لجوه. أول ما فتح عينيه وشافنا، شريط من العذاب مر فيهم.
حرك شفايفه بصعوبة شديدة وصوت واطي ومبحوح كأنه جاي من القبر: “فـ.. فضل.. نور..”.
دموعي نزلت بغير إرادة مني وقربت منه، ونور كانت واقفة جنب السرير، خايفة تقرب بس عينيها مليانة لهفة وألم. عصام مد إيده اللي كانت بترتعش وفيها أجهزة والمحاليل، وحاول يوصل لإيد نور.




