الطبيب نظر إلى صوره الأشعة ثم التفت إلى

لم تقاطعني زينب مرة واحدة، بل كانت تكتب بهدوء وثبات، وتسألني بين وقت وآخر بلطف عن تاريخ محدد، أو عدد المرات، أو اسم شخص.
كان الطبيب واقفًا قريبًا منا، يهز رأسه بملامح قاتمة، وكأن الكسور القديمة الظاهرة أمامه على الجهاز تؤكد كل كلمة أقولها.

وحين انتهيت من الكلام، شعرت أنني فارغة تمامًا.
لم أشعر أنني شُفيت فجأة، ولم أشعر أنني أصبحت حرة بالكامل.
شعرت فقط بأن كل شيء داخلي أُفرغ، مثل بيت مهجور أخرجوا منه الأثاث المكسور وبقيت جدرانه واقفة وحدها.

بعد نحو ساعة، دخلت فنية الأشعة الصوتية حتى تفحص الجنين.
رفضت النظر إلى الشاشة، كنت خائفة من أن أتعلق بحياة صغيرة قد تكون مهددة داخل جسدي المتعب.
لكن الفنية سألتني بصوت ناعم:

تحبين تسمعين نبضه؟
أومأت إيماءة خفيفة.

وفجأة، امتلأت الغرفة بصوت سريع، ثابت، وعنيد:
دق دق… دق دق… دق دق.

أغمضت عيني بقوة، وسالت الدموع الساخنة على خدي.
لم أكن أعرف إن كنت أريد هذا الحمل فعلًا، أم أنني فقط خائفة من كل ما يحدث.
لم أكن أعرف هل يستطيع جسدي أن يتحمل، ولا إن كان الجنين ولدًا أم بنتًا.
وللمرة الأولى في حياتي، أدركت أنني لا أهتم.
مجرد سماع ذلك الصوت في داخلي… حيًا، متمسكًا، مقاومًا… حطم ما بقي مني، ثم جمع أجزائي في اللحظة نفسها.

ابتسمت الفنية بتعاطف وقالت:

هي بعدها متمسكة وقوية، لكن لازم نتابعها بدقة كبيرة.
-هي؟
لم تكن تقصد أنها بنت، كانت مجرد كلمة عابرة.
لكنها جعلت عقلي يذهب فورًا إلى ابنتيّ.
تذكرت ضفائرهما غير المرتبة، وأقدامهما الصغيرة وهي تركض في ممر البيت، وتذكرت الطريقة المؤلمة التي كانتا تتوقفان بها فجأة مثل تمثالين حين تسمعان خطوات حيدر الثقيلة عند باب المنزل.
فكرت في كل ما رأته أعينهما، وفي كل ما كنت أسميه صبرًا وتحملًا بينما كان في الحقيقة خوفًا يشلني.

بعد خروج الفنية بقليل، عادت الممرضة تحمل كيسًا بلاستيكيًا شفافًا، بداخله سترة وردية صغيرة، وفرشاة شعر، ورسمة مجعدة بالألوان الخشبية لبيت صغير تحيط به ثلاث زهور غير متناسقة.
قالت الممرضة بابتسامة دافئة:

الحاجة أم جاسم عندها البنات، وهن بأمان. خائفات شوي، لكن بخير.

ارتخى جسدي كله فوق الفراش من شدة الراحة.
أضافت الممرضة وهي تسحب الرسمة من الكيس:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *