ابني ساب مراته١

وقف المطبخ الصغير يتنفس بخار الحلة الكبيرة، وريحة الخلطة والمحشي مالية المكان. كانت بتشتغل من قبل الفجر، إيدها متشققة من المية الساقعة وتقشير الخضار، وضهرها ينمل من الوقفة، بس عيونها كانت بتلمع بأمل غير كل يوم.
الأوردر ده ما كانش مجرد أكل، ده كان “عزومة كبيرة” لمديرة المدرسة وأختها. أوردر لو طلع مظبوط وهيبيض وشها، هيفتح لها باب رزق ثابت ومحترم يغنيها عن أي طمع ويأمن مصاريف مدارس عيالها لسنة قدام. كانت بتلف كل صباع محشي بحب وصبر، تحط فيه وجعها وقهرتها وعرقها، وتدعي ربنا في سرها: “يا رب، سترها معايا عشان خاطر الصغار دول.”
العلب اترصت، الأطباق الكبيرة اتلفت بالفويل، والمطبخ بقى عبارة عن خلية نحل خلصت مهمتها بنجاح. وفي اللحظة اللي كانت بتحط فيها آخر شريط لزق على آخر كرتونة عشان جاهزة للتسليم، سمعت خطواتي الثقيلة نازلة على السلم.
دخلت عليها المطبخ، عيني زغللت على كمية الأكل، صواني البشاميل المتغلفة، أطباق المحشي رصتها تجوع الشبعان، وكراتين كفتة وبانيه جاهزين على التحمير. الخير كتير، والريحة تدوّخ.
من غير ما أتكلم كلمة واحدة، قربت على الترابيزة ومديت إيدي، أخدت صينيتين بشاميل مع كرتونة محشي مشكل وعلبتين كفتة، وبدأت ألمهم في كيس أسود كبير عشان أطلع بيهم شقتي فوق.
لقيتها المرة دي وقفت في وشي، مش بكسرة زي كل مرة، لكن بلهفة وخرعة مرعبة. مسكت في حرف الكيس وهي بترتجف وبتترجاني:
— لا يا حماتي.. أرجوكي إلا الأوردر ده! ده مش بيع عادي، دي عزومة مديرة المدرسة، الست دفعت العربون ومستنية الأكل على الضهر، لو الأكل نقص صينية واحدة هينزل من نظري ومش هتديني باقي الفلوس، وهضيع الشغلانة كلها من إيدي!
نفضت إيدها من على الكيس بقسوة وقلت لها وأنا أملأ عيني منها بنظرة استعلاء:
— جرى إيه يا بت أنتِ؟ بقيتي تتطاولي وتقفي في وشي؟ الأكل مغرق المكان أهو، جات يعني على الصواني دي؟ قولي لها الفرن حرقهم ولا أي حجة من حججكم دي! أنا طالعة بيهم لعمتك وعيالها جايين يتغدوا معايا فوق، ومش هسود وشي قدام أهلي عشان خاطر عزومة المديرة بتاعتك!
دموعها نزلوا زي المطر، وبدأت تبوس على إيدي قدام عيالها اللي كانوا واقفين خايفين في الزاوية:
— يا فاعلة الخير حرام عليكي! أنا طالع عيني من الساعة تلاتة الفجر! الفلوس دي هي اللي هدفع بيها إيجار النور والمية المتأخرين، وهي اللي هشتري بيها بضاعة الأسبوع الجاي.. لو خدتيهم كدة هكون خسرت الشغلانة وخسرت زبونتي الكبيرة، والله ما معايا مليم أشتري بيه حاجة ثانية أعملها بدالهم!



