جوز امي هو إلى مربيني

وجع شديد عصر صدري: “هو وعدني إنه مش هيمشي ويسيبني!”
— “هو الوعد دا قطعه بعد ما جه هنا يا حبيبتي،” ماجدة همست. “قعد في المطبخ دا لحد الفجر، كان بيقول إنه مش قوى كفاية عشان يحب طفلة ثانية.”
— “وحضرتك قلتِ له إيه؟”
— “قلت له ما تمشيش عشان خايف تحبها.. ارجع واقعد عشان أنت بتحبها فعلاً خلاص.”
طلع مني صوت مخنوق.. مش عياط، حاجة أعمق وأوجع.
— “رجع البيت الصبح دا،” ماجدة كملت، “نَزّل الشنط من العربية قبل ما تصحي، وشكر خالتك إنها كانت معاكي، وبعدين دخل استخبى تحت ترابيزة المطبخ ووعدك إنه عمره ما هيمشي ويسيبك.”
غطيت وشي بإيدي الإثنين.
الوعد دا هو اللي شكل كل حاجة آمنت بيها في طفولتي. طول حياتي كنت فاكرة إن عصام وعدني الوعد دا وهو مطمن وبدون تردد، فاكرة إنه قعد عشان أنا اللي كنت محتاجاه.
— “هو كان هيسيبني..” قلتها بنَفَس مقطوع.
— “أيوه.. بس رجع لك.”
— “ليه خَبّى؟”
— “عشان عمره ما كان عايزك تحسي إنك مسؤولة عن إنك تبقيه عايش. كان عارف يعني إيه طفل يشيل هموم وحزن كبار، ورفض يشيلك الحمل دا.”
افتكرت كل مرة عم عصام كان بيقولي فيها: “إنتي إديتيني سبب أعيش عشانه يا رانيا.”
كنت فاكراها مجرد كلمة حلوة بيقولها أي أب.. دلوقتي بس فهمت إنه كان يقصد كل حرف فيها بالحرف الواحد.
— “هو سابني أفتكر إنه أنقذني..”
ماجدة مسكت إيدي بجامد ابتسمت من وسط دموعها: “هو فعلاً أنقذِك.. وإنتي أنقذتيه كمان.”
رجعت أطير بالعربية ناحية المستشفى، وصورة مريم على الكرسي اللي جنبي. كل إشارة مرور كانت تحسسني بالوقت بيمر بطئ قاتل. كنت محتاجة عصام يعرف إني فهمت.. محتاجة أقوله إن الحقيقة دي ما نقصتش من حبي ليه، بالعكس دي عرفتني تمن الحب دا كان كام.
جريت في الطرقة ناحية أوضته. الممرضة كانت واقفة برة، وملامح وشها وقفتني قبل ما تتكلم: “أنا آسفة يا فندم.. والدك..”
عديتها ودخلت.
عم عصام كان نايم في نفس المكان، بس الأوضة كانت ساكتة تماماً. مفيش صوت أكسجين، مفيش نَفَس مكتوم، مفيش أجهزة بتحسب الوقت المتبقي.
أخدت إيده وحطيتها على خدي: “كان لازم تقولي..” همست ودموعي نازلة على صوابعه الساقعة، “كان لازم تسيبني أشكرك يا بابا..”
الممرضة حطت كيس بلاستيك صغير جنبي بالراحة: “دي المتعلقات الشخصية بتاعته.”
جوة الكيس كان فيه مفاتيحه، ساعته، ومحفظته الجلد البنية القديمة اللي شفته شايلها طول عمري.




