اطلقت يوم ولادتي 2حكايات صافي هاني

مصطفى لف وشه ليا وهو منهار تماماً، الدموع نزلت من عينه لأول مرة، بس ما كانتش دموع ندم، كانت دموع عجز وكسرة نفس، بصلي وأنا قاعدة على الكرسي المتحرك وبضم مريم بكل قوتي وقولت له بنبرة مفيش فيها أي رحمة: “شوفت يا مصطفى؟ أنت كنت جاي تدور على ذنب مش موجود فيا، فربنا كشف لك حقيقتك اللي كنت عايش فيها.. طلقني يا مصطفى، طلقني بالمعروف بدل ما أخليك تلف حوالين نفسك في المحاكم، والورق اللي في إيد المحامي ده كفيل ينهي اسمك ومستقبلك كله في ثانية واحدة”.
المحامي أحمد متولي خطى خطوة لقدام، وطلع القلم من جيبه وحط ورق الطلاق على حرف ترابيزة الممرضات اللي بره، وقال بصوت حازم: “إمضي هنا يا أستاذ مصطفى.. إمضي على إقرار بالطلاق وبكامل حقوق المدام، وإلا المحضر ده هيروح للنيابة الصبح، والتزوير في أوراق رسمية وجناية نسب مفيش فيها هزار.. إمضي واستر على نفسك وعلى اللي باقي من اسمك”.
مصطفى بص لباب الأوضة اللي فيها جثة أمه، وبص للراجل اللي بيقول إنه أبوه، وبصلي أنا وبنته.. لقى نفسه فجأة خسر كل حاجة في أقل من ساعة؛ خسر أمه، وخسر اسمه، وخسر البنت اللي كان مستنيها. قرب بخطوات ميتة ناحية الترابيزة، مسك القلم وإيده بترتعش بشكل هستيري، وبص للورقة وعينه زغللت بالدموع.
مد إيده ومضى على ورق الطلاق وهو بيبكي بصوت مسموع، صوته كان طالع مخنوق وهو بيقول: “أنا طلقتك.. طلقتك يا صفاء”.
رمى القلم على الأرض، ولف ضهره وجري في الممر زي المجنون وهو بيصرخ وبيدور على مكان يستخبى فيه من الدنيا كلها. المحامي لَمّ الورق وبصلي وقال: “مبروك يا مدام.. حقك رجع لك في ساعتها، والحمد لله إن السر ده كان معايا في وقته”.
بصيت للراجل الضخم اللي كان واقف بيبص على أثر مصطفى، الراجل لف ليا وهز راسه باحترام وقال: “أنا عملت اللي عليا عشان خاطر البنت الغلبانة دي وعشان أرد قلم قديم لأمه.. بس دلوقتي، أنا محتاج أطلب منك طلب واحد يا بنتي، ومستحيل ترجعي لي إيدي فاضية فيه”.
وقفت الممرضة بالكرسي، وبصيت للراجل بتوجس وقولت له: “طلب إيه؟”
الراجل قرب خطوة، وعينه اتملت بدموع حقيقية وهو بيبص لمريم الصغيرة اللي في حضني، وطلع من جيبه علبة قطيفة قديمة جداً، فتحها فظهرت منها غويشة دهب صغيرة بتاعت أطفال، وقال بنبرة مكسورة: “دي كانت بتاعت مصطفى وهو لسه مولود، أمي الله يرحمها كانت شايلاها له.. أنا مش عايز من الدنيا دي غير إني ألمس إيد البنت دي.. وأسمع منك الكلمة اللي مصطفى مستحيل هيقولهالي”.




