اطلقت يوم ولادتي 2حكايات صافي هاني

​وفي اللحظة دي، وقبل ما أنطق بحرف، سمعنا صوت صراخ وزعيق رهيب جاي من آخر الممر، وصوت مصطفى وهو بيصوت ويقول: “الورق مش متزور! أنت كداب! أنا هقتلك!” وفجأة ظهر مصطفى تاني في أول الممر وهو جاري وفي إيده مشـرط طبي سرقه من أوضة العمليات، وعينه مبرقة على أبوه الحقيقي وكأنه ناوي ينهي حياته وحياة كل اللي واقفين…المشرط كان بيلمع تحت إضاءة الممر البيضاء، ومصطفى كان جاري زي المجنون اللي فاقد عقله تماماً، عينه مش شايفه غير الراجل اللي دمر وهمه، والست اللي كشفت مستوره. صرخ صرخة هزت جدران المستشفى كلها: “يا غشاشين! أنا هخلص منكم كلكم!”

​الراجل الضخم، أبو مصطفى الحقيقي، ما اتهزش ولا تراجع خطوة واحدة لورا. بالعكس، رمى علبة القطيفة في حضني بسرعة، وفرد جسمه ووقف زي الحيطة السد قدام الكرسي المتحرك بتاعي عشان يحميني أنا ومريم.

​في جزء من الثانية، مصطفى وصل ورفع إيده بالمشرط وكان نازل بيه بكل غله على رقبة الراجل، بس الأب بحركة سريعة ومحترفة من واحد ياما شاف في دنيته، مسك معصم إيد مصطفى في الهوا، ولواها بقوة رهيبة لدرجة إننا سمعنا طقطقة العضم، والمشرط وقع من إيده على الأرض يرن رنة عالية. مصطفى صرخ صرخة وجع وكسرة مسمعة، وفي نفس اللحظة كان أمن المستشفى والمحامي أحمد متولي اتلموا عليه وفوقوه، وثبتوه في الأرض تماماً.

​مصطفى كان بيرفص ويصرخ ويشتم بهستيريا وهو متبهدل في الأرض والكل بيتفرج عليه، عينه جت في عيني وهو بيبكي ويسيل ريقه من الغل والعجز.. بصيت له بنظرة أخيرة كلها شفقة وقرف، ونفضت وشه من حساباتي تماماً. لفيت وشي للممرضة وقولت لها بنبرة هادية وحديد: “امشي يا بنتي.. زقيني لبرة المستشفى دي خالص”.

​الراجل الضخم لف ليا، وبص لمريم اللي في حضني بنظرة وداع كلها حزن وندم على سنين ضاعت، وقال بصوت واطي ومبحوح: “سامحيني يا بنتي إن عكّرت يوم ولادتك.. بس كان لازم الحساب القديم يتقفل عشان إنتي وبنتك تعيشوا في أمان”. هزيت راسي ليه باحترام من غير ما أنطق، وسيبت الغويشة الذهب القديمة في حضن مريم.. لتكون ذكرى من حكاية انتهت واتقفلت صفحتها للأبد.

​الممرضة زقتني لحد باب خروج المستشفى، وأول ما الباب الإلكتروني فتح ونسمة الهوا الباردة خبطت في وشي، حسيت إني أخيراً بتنفس هوا نضيف. بصيت لوش مريم الصغير اللي كانت نايمة في سلام تام ولا حاسة بالدنيا، وابتسمت لأول مرة من كل قلبي..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *