الملياردير صرف أكتر من 3 مليون دولار عشان يعرف ليه ولاده التوأم بيضعفوا وكل الدكاترة فشلوا. لكن أول ما وصلت المربية الجديدة، شمت ريحة غريبة عند أوضهم ووش مديرة البيت اتغير. اسمي داليا مراد، عندي 34 سنة. ومن حوالي سنة، وصلت لأول مرة لقصر آدم المنصوري في التجمع الخامس، وأنا شايلة شنطة صغيرة ومشاعري متلخبطة بين القلق والفضول. القصر كان أقرب لفندق خمس نجوم. بوابات إلكترونية. كاميرات في كل مكان. حدائق ضخمة. رخام في كل حتة. وأنا داخلة بجاكيت قديم اشتريته من محل ملابس مستعملة، حسيت فجأة إني مش في مكاني. شركة توظيف العمالة المنزلية كانت اتصلت بيا قبلها بيوم. مربية مقيمة. لطفلين توأم عندهم 7 سنين. مشاكل صحية غامضة. مرتب ضخم جدًا. وقالوا لي إن العيلة جربت ممرضات ومربيات كتير، لكن مفيش حد قدر يكمل معاهم. مديرة البيت، مدام سميحة، خدتني لمكتب آدم. أول حاجة لفتت نظري كانت كمية الملفات الطبية الموجودة على مكتبه. ملفات بالعشرات. تحاليل. أشعات. تقارير من مستشفيات مختلفة. آدم كان عنده 40 سنة، ورغم إنه من أغنى رجال الأعمال في مصر، شكله ما كانش شكل ملياردير. كان مرهق. عينه حمرا من قلة النوم. ودقنه طالعة كأنه ما اهتمش بنفسه من كام يوم. رفع عينه لي وقال إنتِ اشتغلتي قبل كده مع أطفال عندهم مشاكل صحية؟ آه. حوالي 8 سنين. وإيه اللي يخليكي مختلفة عن اللي قبلك؟ فكرت شوية وقلت أنا بلاحظ الحاجات العادية. رفع حاجبه. يعني إيه؟ الأكل. النوم. طريقة تنظيف الأوضة. المنظفات اللي بتستخدم. الروتين اليومي. إمتى الطفل بيكون أحسن وإمتى بيتعب. الدكتور بيشوف الطفل ساعة في العيادة، لكن المربية بتشوفه طول اليوم. سكت. وبعدين زق قدامي ملف. ولادي، عمر وآسر، بقالهم حوالي سنة ونص صحتهم بتتدهور. فتحت الملف. كانوا قبل كده أطفال طبيعيين جدًا. بيجروا. يلعبوا. يروحوا المدرسة. لكن فجأة بدأ يظهر عليهم إرهاق شديد. ۏجع متكرر. قلة تركيز. فقدان شهية. ووزنهم بدأ يقل. آدم قال صرفت أكتر من 3 مليون جنيه على دكاترة ومستشفيات وتحاليل. بصيت له. ولسه محدش عرف السبب؟ هز رأسه. كل دكتور بيقول احتمال مختلف. قلبت في التقارير. وبعدين سألته ووالدتهم؟ وشه اتغير. أمهم ماټت من 4 سنين في حاډث عربية. سكت لحظة. وبعد ۏفاتها بفترة بدأوا يمرضوا. قبل ما أسأله أي حاجة، باب المكتب اتفتح. ودخل دكتور كبير في السن، لابس بدلة غالية وماسك ملف. كان اسمه دكتور شريف كامل. أول ما شافني قال مين دي؟ آدم رد داليا. المربية الجديدة. الدكتور ضحك باستخفاف. مربية جديدة؟ إنت لسه بتجرب مربيات؟ بصيت له بهدوء. مربية، مش بيبي سيتر. ضحك. الأولاد محتاجين متخصصين، مش حد يفتكر نفسه محقق. رديت متفقة معاك. استغرب. فعلًا؟ طبعًا. بس حضرتك متخصص بقالك قد إيه معاهم؟ تقريبًا سنة. وقدرت تعرف سبب تعبهم؟ سكت. الجو في المكتب اتغير. آدم كان بيبص لنا الاتنين. الدكتور قال بضيق دي مش مسؤوليتك. قلت وأنا مش هدخل في تشخيصك. بس دوري ألاحظ أي حاجة بتحصل لهم في البيت. الدكتور بص لآدم. إنت فعلًا هتعينها؟ آدم رد بمنتهى الهدوء أيوه. الدكتور خرج وهو متعصب. آدم بص لي وقال إنتِ بتحبي المشاكل؟ لأ. أمال ليه استفزيتيه؟ ما استفزيتوش. بس مش معنى إنه دكتور إني أوافق على كل حاجة يقولها. لأول مرة، ابتسم. بعدها أخدني للدور اللي فيه أوض الولدين. عمر وآسر كان عندهم أوضتين جنب بعض في آخر طرقة طويلة. وقبل ما آدم يفتح الباب وقفت. في ريحة غريبة. ريحة حلوة. شبه اللافندر، لكن تحتها ريحة صناعية خفيفة. سألت إيه الريحة دي؟ آدم بص لي باستغراب. ريحة إيه؟ قربت من الحيطة. الريحة كانت أقوى. وبصيت ناحية فتحة تهوية صغيرة موجودة بين أوض الولدين. قربت منها. الريحة بقت أوضح. إمتى التهوية دي اتنضفت آخر مرة؟ آدم عبس. مش عارف. ومين مسؤول عنها؟ النظام كله أوتوماتيك. بصيت له. ده مش اللي سألت عنه. قبل ما يرد، سمعت موقع أيام نيوز صوت حاجة وقعت ورايا. لفيت. كانت مدام سميحة واقفة ماسكة كومة فوط. الفوط وقعت من إيدها. لكن اللي لفت نظري مش الفوط. كان وشها. كانت بتبص على فتحة التهوية پخوف شديد. كأنها شافت حاجة كان المفروض محدش يشوفها. قربت منها. مدام سميحة إنتِ عارفة الريحة دي؟ هزت رأسها بسرعة. لأ. متأكدة؟ أيوه. لكن إيديها كانت بتترعش. آدم قرب منها. سميحة؟ بصت له. أيوه يا فندم؟ في حاجة حصلت؟ قبل ما ترد، خرج عمر من أوضته وهو ماسك رقبته. بابا آدم جري عليه. مالك يا حبيبي؟ عمر قال بصوت ضعيف الريحة دي رجعت تاني. اتجمدت مكاني. آدم بص له. أنهي ريحة؟ عمر أشار للتهوية. الريحة اللي بتخليني أنا وآسر نتعب. بصيت لمدام سميحة. وشها كان شاحب. وفي اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش مجرد مرض غامض. في حد في البيت كان عارف أكتر مما بيقول. لكن الصدمة الحقيقية حصلت لما آسر خرج من أوضته، وقال جملة خلت آدم نفسه يسكت بابا ماما كانت بتقول لنا ما نقربش من الحيطة دي أبدًا. آدم رفع عينه للحيطة. وبص لي. وأنا لأول مرة بدأت أسأل نفسي لو أم الولدين كانت عارفة إن في حاجة خطېرة وطلبت منهم يبعدوا عن المكان ده ليه ماټت قبل ما تقول الحقيقة؟ وفي نفس اللحظة، سمعت صوت خفيف جاي من جوه فتحة التهوية. صوت مروحة بدأت تشتغل. والريحة انتشرت فجأة في الطرقة كلها. لكن المرة دي ما كانتش ريحة لافندر. كانت ريحة مادة كيميائية نفاذة. آدم سحب الولدين بعيد عن المكان. وأنا قربت من فتحة التهوية. ولقيت على طرفها من الداخل آثار مسحوق أبيض. مدام سميحة شافت المسحوق، وبدأت تبكي. وقالت بصوت مرتعش يا بنتي إنتِ ما كانش لازم تكتشفي ده. بصيت لها. ليه؟ ردت وهي بتبص ناحية كاميرا المراقبة فوقنا لأن اللي بيحط الحاجة دي مش غريب عن البيت. سرّ الحيطة اسمي داليا مراد، عندي 34 سنة. ومن حوالي سنة، وصلت لأول مرة لقصر آدم المنصوري في التجمع الخامس، وأنا شايلة شنطة صغيرة ومشاعري متلخبطة بين القلق والفضول. القصر كان أقرب لفندق خمس نجوم بوابات إلكترونية، كاميرات في كل مكان، حدائق ضخمة، رخام في كل حتة. وأنا داخلة بجاكيت قديم اشتريته من محل ملابس مستعملة، حسيت فجأة إني مش في مكاني. شركة توظيف العمالة المنزلية كانت اتصلت بيا قبلها بيوم مربية مقيمة لطفلين توأم عندهم سبع سنين، مشاكل صحية غامضة، مرتب ضخم جدًا. وقالوا لي إن العيلة جربت ممرضات ومربيات كتير، لكن مفيش حد قدر يكمل معاهم. مديرة البيت مدام سميحة خدتني لمكتب آدم. أول حاجة لفتت نظري كانت كمية الملفات الطبية الموجودة على مكتبه ملفات بالعشرات، تحاليل، أشعة، تقارير من مستشفيات مختلفة. آدم كان عنده أربعين سنة، ورغم إنه من أغنى رجال الأعمال في مصر، شكله ما كانش شكل ملياردير. كان مرهق، عينه حمرا من قلة النوم، ودقنه طالعة كأنه ما اهتمش بنفسه من كام يوم. سألني لو اشتغلت مع أطفال مرضى، وقال لي إن ولاده عمر وآسر بقالهم سنة ونص صحتهم بتتدهور كانوا طبيعيين، وبعدين بدأوا يضعفوا، يفقدوا وزنهم، يشتكوا من تعب وۏجع ومحدش عرف ليه. صرف أكتر من ثلاثة ملايين جنيه على دكاترة وتحاليل، وكل واحد بيقول كلام مختلف. ولما سألت عن أمهم، قال لي بۏجع إنها ماټت من أربع سنين في حاډثة عربية، وبعدها بدأ الأولاد يتعبوا. دخل الدكتور شريف كامل اللي كان بيعالجهم من سنة، واستخف بيا لما عرف إني مربية، وقال إنهم محتاجين متخصصين مش حد يلعب دور المحقق. رديت عليه بهدوء، وسألته هو نفسه عرف السبب ولا لأ، فسكت وخرج متعصب. آدم ضحك لأول مرة، وطلع بيا لدور الأولاد. وهناك في الطرقة الطويلة، قبالة أوضتي التوأم شميت الريحة دي حلوة زي اللافندر، لكن تحتها حاجة غريبة صناعية تقيلة. سألت عنها، وآدم ما شعرش بيها أصلاً. وقفت مدام سميحة ورايا، لما سألتها وقعت الفوط من إيدها، ووشها اتغير لونها كله كانت خاېفة، خاېفة جدًا. عمر خرج وقال لي إن دي نفس الريحة اللي بتجيه هو وآسر تعبانين، وآسر قال جملة زلزلت كل حاجة ماما كانت بتقول لنا ما نقربش من الحيطة دي أبدًا. وفي اللحظة دي، سمعت صوت مروحة جوا التهوية اشتغلت، والريحة اتغيرت لريحة مادة كيميائية حادة نفاذة، وشفت آثار مسحوق أبيض على طرف فتحة التهوية من جوا. مدام سميحة اڼهارت وقالت بصوت باكي اللي بيحط الحاجة دي مش غريب عن البيت. سكتنا كلنا. آدم كان ماسك إيد ولاده الاتنين، وعينه بتتحرك بيني وبين مدام سميحة وبين فتحة التهوية، وكأنه مش مصدق الكلام اللي سمعه. إنتِ بتقولي إيه يا سميحة؟ قال بصوت ثقيل مهتز حد من البيت بيضرّب ولادي؟ مدام سميحة غطت وشها بإيديها وبدأت ټعيط بصوت خاڤت. ما أقدرش أتكلم يا فندم والله ما أقدرش خاېفة لو عرف إني تكلمت هيعمل فيا حاجة وانت مش هتقدر تحميني ولا أحد مين ده؟ قلت بصوت حازم واقفة قدامها مين اللي پتخافي منه؟ هزت رأسها پجنون، ولفتت بسرعة ناحية الكاميرا اللي كانت مثبتة في سقف الطرقة فوقنا. كل حاجة مسجلة هو شايفنا دلوقتي لازم أمشي سامحوني وحاولت تمشي بسرعة، لكن مسكت إيدها. استني! قلت لو سبتينا دلوقتي وهو اللي بيدمر صحتهم دلوقتي، هيكمل فيهم. وأمهم ماټت وما كملتش كلامها. إنتِ عايزة يصير فيهم زي ما صار لها؟ الكلمة دي وقعت عليها زي الصاعقة. تجمدت مكانها، ونزلت دموعها أكتر، وبصت لي بعينين مليانة ألم وخوف. الحاډثة دي ما كانتش حاډثة، صح؟ سألت آدم بصوت هادئ لكن قوي. آدم اتأثر قوي، واتكلم بصوت ناشف الشرطة قالت حاډثة انحرفت العربية عن الطريق وقلبت ما كانش فيه أثر لأي حاجة تانية. بس الأولاد قالوا إن أمهم حذرتهم من الحيطة دي قلت واتعبهم بدأ يمشي بخطى زي ما كان فيه خطة مرسومة. كل يوم شوية، شوية، لحد ما يضعفوا ومحدش يلاحظ من أول مرة. آدم سحب نفسة عميقة، ونزل عينه على عمر وآسر اللي كانوا واقفين بيشوفونا بقلق، وشويه بيمسكوا في هدب بعض خوف. تعالوا قال لهم بهدوء ادخلوا الأوضة يا حبيبي، العبوا شوية، أنا وداليا ومدام سميحة هنتكلم كلام مهم دقايق وناجيلكم. دخلوا ببطء، وقفلوا الباب وراهم. لما بقينا لوحدنا، آدم بص لمدام سميحة بتركيز سميحة، أنا رباكِ من صغيرتي، واثق فيكِ أكتر من أي حد تاني في الدنيا. تكلمي. مين اللي بيعمل كده؟ وأنا أضمن لكِ الأمان، لو حتى اضطرّت أخرجك برة مصر كلها. تكلمي. مدام سميحة مسحت دموعها بكف إيدها، واتكلمت بصوت خاڤت متردد، كأن كل كلمة بتكلفها مجهود رهيب من بعد ما سيدتي رحمة الله عليها ماټت الأوضة بتاعتها فضلت مقفولة فترة طويلة. وبعدين بدأت أشوف حاجات غريبة أسمع أصوات جاية من جواها ألاقي بابها مفتوح وهو كان مقفول وكنت خاېفة أقول لحضرتك، لأنك كنت تعبان ومشغول بالشغل وبالولاد وفكرت نفسي أتوهم. سكتت شوية، وبلعت ريقها وبعد سنة تقريبًا، اللي هو الوقت اللي الأولاد بدأوا يتعبوا فيه كنت جاية ألمّ الاوض العليا، ومرّة جيت بدري شوية ولقيت الباب بتاع غرفة التخزين اللي فوق أوضهم مفتوح وشفت حد بيخرج منها بسرعة. ما شفتش وشه كويس، لكني عرفته من خطوته ومن طريقته في المشي. مين؟ سأل آدم بحدة. دكتور شريف قالت بصوت ناعم جدًا، كأن الكلمة خرجت ڠصب عنها. اتفاجئت أنا نفسي، وآدم اتجمد. دكتور شريف؟ قال بعد لحظة صمت هو اللي كنت واثق فيه من كل الدكاترة! هو صديق قديم للعيلة! وأنا كمان ما صدقت نفسي قالت مدام سميحة بس رجعت تاني يوم ولقيت فتحة تهوية فوق في الغرفة دي متصلة بفتحة التهوية اللي هنا بالظبط كل ما بيفتح المروحة من فوق، الريحة والحاجة دي تنزل هنا وتملّى المكان. حاولت مرّة أغير مكانهم، لكن تعبهم رجع يزيد تاني، وكل ما أجيب حد ينظف أو يصلح، بيكون فيه حاجة تخلّيه يأجل أو يعتذر. وكل ما أسأل، بيقولوا الدكتور شريف هو اللي طالب كده، عشان الجو المناسب لصحتهم. والمركّب اللي بيتنزل؟ قلت حد يعرف إيه؟ ما أعرفش بالظبط قالت بس سمعته مرّة وهو بيتكلم في التليفون، بيقول إن المادة دي بطيئة المفعول، وإن التحاليل مش بتظهرها بسهولة، وإن محدش هيشكّ في حاجة غير لما يفوت الأوان. وإن لما الأولاد يضعفوا أكتر، الوصية هتتغيّر. الكلمة الوصية خلت الډم يجمد في عروقي. بصيت لآدم لقيته واقف كالتمثال، وشه شاحب، ويده اتقبضت على حافة الحائط بقوة لدرجة إن المفاصل بقت بيضاء. الوصية قال بصوت مكسور أمهم كتبت وصيتها قبل ما ټموت نصّها إن كل فلوسها وحصتها في الشركة تروح للولاد لما يكبروا ولو حصل لهم حاجة، تروح كلها للخير بس كان فيه بند قديم لو ماټ الولاد وهما صغار، الميراث كله يرجع لي أنا وإن كان أنا اللي أتوفى قبلهم، بيروح ل سكت فجأة، وبص لمدام سميحة بعين اتملأت دموع وصدمة بيروح لشريف. صړخت الكلمة الأخيرة منه بصوت مسموع، وكأنها كانت محپوسة جواه من زمان. هو اللي كان وصيّ عليها في الوصية القديمة قبل ما تتعدل كمل وصداقتنا قديمة من أيام الجامعة كنت أثق فيه بعمري. والحاډثة؟ قلت أنت شايف إنها ما كانتش حاډثة؟ مش عارف هز رأسه بضعف كل ما أتذكر الحكاية بتاعتها، بيلاقيني حاسس إن في حاجة غلط، بس ما أقدرش أثبتها. الشرطة قالت حاډثة، وما كانش فيه دليل. إيه اللي بيجمع بينه وبينها غير الصداقة؟ سألت حب؟ خلاف؟ فلوس؟ آدم سكت شوية، وبص للأرض قبل ما ټموت، كانت بتشتغل على مشروع كبير معاه أبحاث طبية كانت بتدعمها من فلوسها الخاصة. قالت لي إنه وعدها بعلاجات لمرضى كتير محتاجين وآخر فترة كانت متضايقة منه، قالت لي إنه خد المال وسكت عن النتايج، وإن في حاجة غلط في الدراسات بتاعته وقالت إنها هتكشفه. وبعد أسبوع ماټت. الصمت ساد المكان كله. كل حاجة بدأت تتركب قدامي زي أحجية المال اللي اختفى من تحت يديها، البحث اللي ما لوش نتيجة، خۏفها وقلقها الأخير، مۏتها المفاجئ، وبعدها مرض ولادها ببطء وبشكل غامض لدرجة إن حتى الأطباء ما عرفوا سببه. كل خطوة في الخطة دي مرسومة بدقة، ومفيش حد يشك لأن الضحېة بتتعرض للأذية شوية شوية، والسبب مختفي في الهو اللي بيتنفسه كل يوم. لازم نكون حذرين قلت بعد ما فكرت شوية لو هو عمل كده، يبقى محطّط كل حاجة. التحاليل اللي بيجيها، الأدوية اللي بيصفها، حتى الأطباء اللي بيراجعوا معاه ممكن يكون كلهم تحت تأثيره أو ما يعرفوش الحقيقة. لو حاولنا ناخدهم لمستشفى عادي، ممكن يوصله الخبر قبل ما نوصل. يعني إيه؟ قال آدم اسكت وأنا شايفه بېقتل ولادي قدام عيني؟ لأ رديت بسرعة هنشتغل بذكاء. هنجمع دليل أولًا. الريحة دي والمسحوق اللي شفتوه ده مش كفاية لوحده. لازم نعرف إيه المادة دي، ونثبت إنها جاية من التهوية، ونربطها به هو شخصيًا. ولو أمهم كانت عندها دليل عليه، ممكن تكون خبّته في مكان هنا خصوصًا إنها حذرت الأولاد من الحيطة دي بالذات. آدم بص ناحية الباب اللي وراه الأولاد هي كانت عارفة إن حياتها في خطړ وخبّت الحقيقة في مكان ما يوصلها لحد يفهمها. والكاميرات قلت هو شايفنا دلوقتي. لو شافنا نفتش المكان، هيعرف ويتصرف. لازم نعملها ببطء وبخفاء. اتفقنا على خطة مدام سميحة ترجع شغلها طبيعي وما تغيرش في تصرفاتها عشان ما يشك. أنا أتابع الأولاد وأحاول أجمع عينات من الهو والمسحوق من غير ما يلاحظ. وآدم يتصل بدكاترة مستقلين خارج دائرة شريف، ويطلب منهم يفحصوا الأولاد ويعملوا تحاليل خاصة بطريقة ما يعرفها هو. وفي نفس الوقت، أبحث عن أي أوراق أو ملفات كانت لمرات آدم، لأنها كانت السبب في كل حاجة. مرّت الأيام ببطء شديد. كل يوم كنت أحسّ إننا بنعيش فوق بركان. دكتور شريف كان بيجي كل يومين يطمئن عليهم، وكل مرة كان بيسألني بنظرة غريبة وكأنه بيختبرني، يشوف أنا وصلت لحاجة ولا لأ. كنت أتعامل معاه بكل طبيعية، أقول له إنهم نفس الحال، وإنني أحاول أساعدهم على الأكل والنوم، وأتجاهل نظراته الحادة. في الأسبوع التالي، لما كان الأولاد نايمين والبيت هادي، تسللت لغرفة مرات آدم اللي كانت مقفولة من زمان. المفتاح كان مع آدم نفسه، سلمّاه لي وهو يقول ما فتحتها من يوم ما ماټت خاېف أفتحها وأفتح چروح تاني. الغرفة كانت معطّرة بريحتها عطر خفيف، مختلف تمامًا عن ريحة اللافندر اللي كنت بشمها في أوض الأولاد. كل حاجة في مكانها، كأنها سابتها أمس كتب، دفاتر، صور لهم الاتنين مع الأولاد وهما صغار، وملفات أبحاث طبية مكدسة على رفّ خشبي. قعدت أقرأ وأفتّش بتركيز. ساعات مرّت وما حسّيت بيها. لحد ما وصلت لدفتر ملاحظات صغير مخبي جوا كتاب قديم، واسمها مكتوب عليه بخط اليد يومياتي للعيان بعدي. فتحته وبدأت أقرأ. كلامها كان واضح وقوي، وتاريخاته متسلسلة شريف طالب مني أوقّع على تحويل مبلغ كبير لشركة تابعة له. قال عشان الأبحاث. بس لما طلبت أشوف النتايج والبيانات، اتعصب وتهرب من الإجابة. حاسّة إن في حاجة غلط. النتايج بتاعته مش منطقية. الأرقام ما بتتطابق. خاېفة يكون بيستخدم المال في حاجة تانية خالص. قال لي إن لو وقفت في طريقي هخسر كتير. ما فهمت معناه غير بعدين. والآن عرفت إنه مش بس بياخد الفلوس هو بيخفي حاجة خطېرة في التجارب اللي بيعملها. حاولت أتكلم معاه، قال لي اخرسي وإلا ټندمي. كتبت كل حاجة الأسماء، التواريخ، المبالغ، أماكن التجارب، وعلاقته بالمادة اللي بيستخدمها. خبيت نسخة من التقرير الكامل في مكان ما هو مش هيقدر يوصل له بسهولة. وقلت لولادي يبعدوا عن الحيطة اللي ورا أوضتهم لأن هناك بالظبط بدأ كل حاجة، وهناك خبيت الدليل. لو أنا متّ قبل ما أقدر أتكلم، فاعرفوا إنني ما متّ حاډثة. واعرفوا إن اللي ورا كل ده هو الشخص اللي كنتوا تثقوا فيه أكتر من أي حد. احموا الأولاد واعملوا الحق يظهر. الدفتر وقع من إيدي. كنت حاسّة ببرد يسري في جسمي كله. كل كلمة فيها كانت دليل إدانة كامل، وكل كلمة بتثبت إنها كانت عارفة تمامًا إن حياتها في خطړ، وإنها ماټت وهي تحاول تكشف الحقيقة. ورجعت لآدم بالدفتر، ولما قراه بكى كطفل صغير بكى على اللي خسر، وبكى على الثقة اللي كانت عمياء، وبكى لأنه سلم ولاده للي قتل أمهم وبيحاول يقتلهم. الآن بقى معانا نصّ الحقيقة، لكن النص التاني التقرير الكامل والعينة اللي قالت عنها لسه مخبي ورا الحيطة اللي حذرت منها أولادها. وعلشان نوصله، لازم نعمل حاجة خطېرة نكسر الحيطة دي ونستخرج اللي جواها، وفي نفس الوقت نحافظ على الأولاد ونحميهم من اللي بيشوف كل حركة لنا. اتفقنا نعملها في ليلة واحدة ليلة ما يكون فيها شريف جاي، والبيت هادي. جبنا ناس موثوقين من بره، ناس ما يعرفهم شريف، وبدأنا نعمل ببطء وحذر. لما بدأت الحيطة تتفتح، شفتها صندوق حديدي صغير محفوظ جوا الحيطة بالظبط، ومكتوب عليه اسمها. فتحناه لقينا تقارير طبية، عينات محفوظة، إثباتات بتحويلات مالية، وتسجيل صوتي كامل لحديثها مع شريف وبيهددها ويعترف إنه بيستخدم المادة دي في أبحاثه وإنها ټقتل ببطء. وفي نفس الصندوق، رسالة موجهة لآدم حبيبي، سامحني لأنني ما قلتلك كل حاجة من الأول. كنت خاېفة عليك وعلى الأولاد. شريف مش صديقنا هو شخص طماع، مستعد يضحي بأي حد عشان ينجح ويغنى. المادة اللي بيستخدمها بتدمر الجهاز العصبي والمناعي ببطء، والتحاليل العادية مش بتكشفها. هو بيستخدمها على الأولاد عشان ياخد الميراث. احذره. ولا تثق بحد غير اللي بتحبّك بصدق. ولو وصلت للرسالة دي، فاعرف إنني رحلت وأنا واثقة إنك هتحميهم. أحبك. لما قرأها آدم ما قدرش يتحمل أكتر، واتصل مباشرة بالنيابة وبالأمن، وقدّم كل الأدلة اللي جمعناها. لكن شريف كان ذكي حسّ إن في حاجة اتغيرت، ولما جاءت القوات ليلقوه كان حاول يهرب، لكنهم قبضوا عليه في المطار قبل ما يطلع بره. واعترف بكل حاجة قټلها عشان تخرس، وسمّم الأولاد شوية شوية عشان الميراث، وكل اللي عمله كان عشان فلوس وسلطة. استغرق الأمر شهور طويلة حتى استردّ الأولاد صحتهم. أخذناهم لخبراء خارج مصر، عالجوهم من أثر المادة، وبالتدريج بدأ لونهم يرجع وطاقتهم تروح لهم تاني. ما كانش طريق سهل كان فيه أيام كنت بشوفهم تعبانين وأحسّ قلبي بيتقطع، لكن كنت أتذكر أمهم ووصيتها، وأصمّ. وآدم اللي كان ملياردير لكنه فقير من جوا بدأ يتعلم يضحك تاني، ويعيش، ويكون أب حقيقي لولاده. بقيت معاهم. ما سافرت ولا رجعت لشغل تاني. لأنهم بقوا عيلتي. وكل ما بشوف عمر وآسر بيلعبوا ويجروا في الحدائق، بشكر الله إنني كنت السبب في إنهم يكملوا حياتهم. وكل ما بيمرّ جنب الحيطة دي اللي كانت خبيّة السرّ، بدعي لروح أمهم اللي حاربت لحد آخر نفس عشان تحميهم. والحق بيظهر دايماً مهما طال الزمن، ومهما حاول الناس يخفوه. الأرض مش بتخفي حاجة طويلاً، والريحة اللي بتيجي من الغدر ما بتختفي أبدًا. بتظلّ تطلع لحد ما حد يشمّها، ويقول ده غلط. وده لازم يتصلّح. تمت القصة.