في عيد ميلاد ابنى حصرى لصفحه روايات

مرت الـ 48 ساعة وزيادة، ومريم مبعتتش كلمة واحدة. ولا حتى تليفون، ولا اعتذار، ولا حتى محاولة لتبرير التزوير اللي عملته. كانت فاكرة إن سكوتها ده هيخليني أتردد أو أقلق، أو إن الوقت لما يعدي أنا ههدا وهطنش الموضوع زي كل مرة.
​لكن في اليوم التالت، ومباشرة بعد ما المهلة خلصت، أنا مكلمتهاش هي.. أنا كلمت “أستاذة هدى” بتاعة الشركة العقارية.
​قلتلها بمنتهى الهدوء والنبرة الحاسمة: “أستاذة هدى، التوقيع اللي على العقد ده مش توقيعي. أنا مجمعتش ولا مضيت على أي ضمانة مالية لإيجار مريم وشريف، والتوقيع ده متأخد من ملف تاني ومزوروين إمضتي. أنا قدامي خيارين دلوقتي: يا إما نشيل اسمي فوراً من العقد والسيستم عندكم، يا إما أنا هطلع حالاً على قسم الشرطة وأعمل محضر تزوير رسمي ضد مريم وزوجها، وأظن ده هيضركم أنتم كمان كشركة لو اتورطتم في عقد مزور.”
​هدى اتخضت جداً، ونبرة كلامها اتغيرت 180 درجة. قالتلي: “يا أستاذ أحمد، اهدى بس ومفيش داعي نتوجه للشرطة. إحنا هنراجع الملف فوراً، وبكره الصبح هيكون عندك إقرار رسمي بإلغاء أي التزام مالي عليك، وهنطالبهم هما بتوفير ضامن جديد أو فسخ العقد.”
​وبالفعل، تاني يوم الصبح وصلني الإيميل فيه إخلاء مسؤوليّتي الكاملة عن الشقة وعن المتأخرات اللي عليهم.
​الساعة كانت حوالي 4 العصر لما الباب عندي خبط بغشومية.
​فتحت، لقيت شريف واقف وشّه أحمر من الغضب، ومريم واقفة وراه باصة في الأرض ومكسوفة، بس عينيها فيها طمع وشر.
​شريف دخل في وشي وهو بيزعق: “أنت بتعمل إيه يا أحمد؟! أنت اتجننت؟! الشركة كلمتنا وقالولنا قدامكم أسبوع تدفعوا المتأخرات وتجيبوا ضامن جديد يا إما الشقة هتتسحب ونترمى في الشارع! أنت عاوز ترمي أختك وبنتها في الشارع عشان حتة تورته؟!”
​بصيتله بثبات شديد، وقلتله بصوت واطي بس يرعب: “أنت جاي تصرخ في بيتي عشان أنا رفضت أدفعلك إيجار بيتك؟ وبعدين تورته إيه؟ أنت جاي تسأل على تورته وأنت مرتك مزورة توقيعي على عقد إيجار؟! أنتم مش بس قليلين الأصل، أنتم عملتوا جَريمة رسمي! التزوير ده كان يدخل أختي السجن لو أنا كنت بلغت عنها، وأنا سيبتها عشان خاطر ملك بس.”

​مريم هنا اتكلمت وصوتها بيترعش: “أنا… أنا مكنتش ألمح إن الموضوع هيكبر كده! أنا قلت أنت كده كده بتساعدنا كل شهر، فقلت بدل ما أزعجك كل شوية تجيلي إمبابة تمضي، أخدت التوقيع وحطيته عشان أسهل الأوراق!”
​رديت عليها: “تسهلي الأوراق ولا تدبسيني في التزام قانوني رغماً عني؟! أنتم بقيتوا شايفين فلوسي وحياتي حق مكتسب لكم. بتدخلوا بيتي وتهينوا ابني في عيد ميلاده، وكمان عاوزين تسرقوني بالقانون؟”
​شريف حاول يلطّف الجو لما لقى الكلام دخل في سكة السجن والقانون، وقال: “يا أحمد، خلاص صلّي على النبي، إحنا أهل.. طب سلفنا الشهر ده بس لحد ما أتصرف في شغلانة جديدة…”
​قاطعت كلامه ورفعت إيدي: “ولا جنيه. ولا شهر. ولا حتى كلمة زيادة. قدامكم دقيقة واحدة تطلعوا بره بيتي، ولو شفت رجل حد فيكم هنا تاني، أو حتى حاولتوا تضايقوا ياسين في أي مكان، المحضر المتركون في الدرج هينزل النيابة في نفس الساعة.”
​خرجوا من البيت وهما بيتودودوا وبيتحسبنوا، وبدأت حرب الرسائل والشتائم من العيلة تاني على جروب الواتساب. أمي اتصلت وهي بتعيط وتقول: “يا أحمد، حرام عليك هيرموا أختك في الشارع، أنت البكرِي والمعيل!”
​قلتلها بكل احترام بس بحزم: “يا أمي، أنا لغاية النهاردة قايم بواجبي وزيادة نحو ابني ونحوكِ أنتِ، لكن مريم وشريف كبار ومسؤولين عن حياتهم. لو أنتِ خايفة عليهم، شريف يقدر ينزل يشتغل شغلانتين زي ما الناس بتعمل، ومريم تصرف من الفلوس اللي بتجيب بيها تورتات وجليتر عشان تبوظ بيها فرحة العيال.”
​وبعدها، قفلت جروب العيلة خالص، وعملت بلوك لـ شريف ومريم من كل حتة.
​عدى شهرين..
في يوم جمعه دافي، أخدت ياسين ورحنا النادي. ركب العجلة الجديدة اللي كنت مجمعها له واستيكرات سوبر ماريو بتلمع في الشمس. كان عمال يجري بيها وفرحان وصوته مالك الدنيا، وأنا قاعد على الكرسي بشرب قهوتي ومستمتع بالهدوء اللي حرمت نفسي منه لسنين.
​ياسين جه جاب العجلة ووقف جنبي، وقال لي بابتسامة عريضة: “بابا، أنا بحبك أووي.. النهاردة أحسن يوم في حياتي.”
​حضنته وقلتله: “وأنا بحبك أكتر يا بطل.. والآن، اليوم ده وكل يوم، بتاعك أنت وبس.”
​في اللحظة دي اتأكدت إن القرار اللي أخدته مكنش عشان الإيجار ولا التورته، القرار كان عشان أحمي ابني وأحمي نفسي، وأعلم ياسين إن محدش في الدنيا مسموح له يسرق منه فرحته أو يعامله على إنه ملوش قيمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *