وقفت في الضلمة مش قادرة أتحرك، وإيدي كانت بتترعش وأنا بحاول ألمس الحيطة وأدور على أي حاجة تفتح الباب الحديد اللي اتقفل ورايا. صوت الخبط اللي جاي من آخر السرداب كان مستمر، تلات خبطات ورا بعض، سكتة قصيرة، وبعدها تلات خبطات تاني. حاولت أصرخ: “في حد هنا؟!” لكن صوتي خرج ضعيف ومبحوح. الخبط وقف للحظة، وبعدها سمعت صوتًا واطيًا من ورا الحيطة: “متخافيش… أنا عارف إنك بنت محمود.” اتجمد الدم في عروقي. “مين؟!” سألت وأنا بلزق ضهري في الحيطة. الصوت رد: “لو عايزة تعرفي أبوكي إزاي… افتحي الباب اللي تحت رجلك.” بصيت للأرض، ولمحت حلقة حديد صغيرة وسط التراب. نزلت على ركبتي ومسكتها، ورفعتها بكل قوتي، فظهر غطاء خشب قديم تحته درج ضيق نازل لتحت. في اللحظة دي سمعت صوت خالي أحمد من بعيد بيصرخ: “إنتي فين؟!” حاولت أرد عليه، لكن صوت الراجل من ورا الحيطة سبقني: “ماترديش! اللي معاه مش كلهم شرطة!” اترددت، لكن خوفي على خالي خلاني أصرخ: “أنا هنا!” بعدها مباشرة سمعت صوت ارتطام شديد، وبعده صمت. جريت ناحية الباب الحديد وخبطت عليه، لكن مفيش رد. بدأت أنزل الدرج وأنا حاطة إيدي على الحيطة، وكل درجة كانت بتطلع صوت صرير مخيف. نزلت حوالي عشر درجات، لحد ما وصلت لممر ضيق جدًا، وفي آخره باب خشب صغير. فتحت الباب، فظهرت قدامي أوضة مظلمة فيها لمبة واحدة معلقة من السقف. في وسط الأوضة كان فيه راجل كبير مربوط في كرسي، وشكله كان مرهق جدًا، لكن أول ما شافني رفع راسه وقال: “أخيرًا جيتي.” قربت منه وأنا مش مصدقة: “إنت مين؟” قال: “أنا جابر… صاحب أبوكي.” قلبي دق بسرعة. “أبويا كان يعرفك؟” ابتسم بحزن وقال: “كان أخويا قبل ما يكون صاحبي.” فكيت الحبل من إيده بسرعة، لكنه مسك إيدي وقال: “اسمعيني كويس… مفيش وقت.” سألته: “مين حبسنا هنا؟ ومين عبد الصمد؟” قال: “عبد الصمد كان بيشتغل لحساب ناس أكبر منه، وأبوكي اكتشف الموضوع قبل ما يموت.” سألته: “موضوع إيه؟” سكت شوية، وبعدين قال: “شبكة بتجمع لحوم من مصادر غير قانونية وتخلطها بلحوم الحيوانات وتوزعها على محلات ومطاعم ومصانع. لكن اللي كان بيحصل في بيتكم كان جزء من خطة تانية.” قلتله وأنا بترعش: “خطة إيه؟” قال: “كانوا بيختبروا حاجة.” “إيه؟” “كانوا بيجربوا تأثير نوع معين من المواد على الناس، وكان عبد الصمد بيستخدم بيتكم لأنه متأكد إن محدش هيشك فيه.” حسيت بالغثيان، وافتكرت كل يوم جمعة وكل طبق لحمة وكل مرة أمي كانت تدعيله. قلت: “طب وإحنا؟ ليه إحنا؟” جابر بص للأرض وقال: “عشان أبوكي كان مخبي دليل ضدهم… وكانوا فاكرين إن الدليل عندكم.” قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت باب بيتفتح فوقنا. جابر رفع صباعه على بوقه وقال: “اطفي النور.” طفيت اللمبة بسرعة، وقعدنا في الضلمة. سمعنا خطوات بتقرب، وبعدها صوت راجل بيقول: “دوروا كويس… البنت نزلت هنا.” اتعرفت على الصوت. كان صوت الراجل اللي هرب من الشرطة. جابر همس: “هو مش لوحده.” قربت منه وقلت: “نعمل إيه؟” أشار ناحية فتحة صغيرة في الحيطة وقال: “الممر ده بيوصل لبره.” زحفنا بسرعة داخل الممر الضيق، وأنا كنت بحاول أكتم صوت نفسي. خلفنا سمعنا الباب بيتفتح، وبعدها صوت الراجل: “هربوا!” جريت وأنا حافية، والحجارة كانت بتجرح رجلي، لكني ماوقفتش. فجأة الممر اتسع وخرجنا في مخزن قديم خلف البيت. جابر مسكني وقال: “لازم نرجع للشرطة.” لكن قبل ما نتحرك، ظهر قدامنا رجلين. واحد منهم رفع إيده وقال: “خلاص يا جابر… اللعبة انتهت.” جابر وقف قدامي وقال: “ابعد عنها.” الرجل ضحك وقال: “البنت دي أهم منك ومن أبوها.” وقبل ما يوصل لنا، سمعنا صفارات شرطة. الرجلين جريوا، والشرطة دخلت من باب المخزن وقبضت عليهم. الضابط اللي كان معانا جري عليا وقال: “إنتي كويسة؟” قلتله: “أيوه… بس خالي فين؟” سكت، وبص لجابر. جابر قال: “أحمد اتصاب؟” الضابط رد: “أحمد كويس، بس حصلت مفاجأة.” سألته: “إيه؟” قال: “الشخص اللي كنا شاكين إنه الرأس… اتقبض عليه.” سألته: “مين؟” الضابط بصلي وقال: “الشخص اللي عبد الصمد كتب اسمه.” اتصدمت لما سمعت الاسم. كان اسم واحد من أقرب الناس لأبويا، شخص كان يدخل بيتنا بعد وفاة أبويا ويقف جنب أمي ويقول إنه بيعتبرنا أولاده. شخص كنا بنثق فيه ثقة عمياء. قلت: “بس ده مستحيل.” الضابط قال: “هو بنفسه اعترف إنه كان بيتابع البيت من خمس سنين.” رجعت خطوة لورا، وجابر قال: “قلتلك إنهم كانوا عايزين الدليل.” سألت الضابط: “فين الدليل؟” قال: “لسه بندور عليه.” جابر ابتسم ابتسامة حزينة وقال: “مش هتلاقوه بسهولة… لأن أبوكي كان أذكى منهم.” خرجنا من المخزن، ولما رجعنا للشقة، لقينا أمي قاعدة جنب خالي أحمد، وكانت منهارة من العياط. أول ما شافتني جريت حضنتني وقالت: “افتكرتك ضيعتي مني.” حضنتها وفضلت أعيط، لكن فجأة خالي قرب مني وقال: “جابر قالك إيه؟” بصيت له باستغراب: “إنت تعرف جابر؟” قال: “أيوه… أبوكي كان حكالي عنه قبل ما .” أمي بصت لخالي بصدمة وقالت: “إنت كنت عارف إن جابر موجود؟!” خالي هز راسه وقال: “كنت عارف إنه كان بيساعد محمود، لكن ماكنتش أعرف إنه لسه عايش.” جابر دخل ، وأول ما شاف أمي وقف مكانه كأنه شاف شبح. قال: “سعاد؟” أمي بصت له ثواني، وبعدها قالت: “إنت…” وسكتت. قرب منها وقال: “محمود كان عايزني أوصلك رسالة قبل ما يموت.” أمي بدأت ترتعش: “إيه الرسالة؟” جابر حط إيده في جيبه وطلع مفتاح صغير جدًا. قال: “قال لي لو حصل له حاجة، المفتاح ده يتسلم لابنته لما تكبر وتبقى قادرة تعرف الحقيقة.” بصيت للمفتاح، وحسيت إنه تقيل رغم إنه صغير. سألته: “بيفتح إيه؟” قال: “مكان أبوكي خبّى فيه كل حاجة.” خالي أخد المفتاح وبص له وقال: “أنا شفت المفتاح ده قبل كده.” أمي قالت: “فين؟” خالي رد: “كان مع محمود في الليلة الأخيرة قبل وفاته.” الضابط سأل جابر: “فين المكان؟” جابر قال: “مش هينفع أقول هنا.” الضابط قال: “ليه؟” جابر بص حوالينا وقال: “لأن اللي كانوا بيطاردوا محمود لحد النهارده لسه عايزين يوصلوا للمكان ده.” وفجأة موبايل الضابط رن. رد، وملامحه اتغيرت. قفل المكالمة وقال: “عبد الصمد فاق.” الكل سكت. سألته: “قال إيه؟” الضابط رد: “قال إنه عايز يقابل البنت.” أمي صرخت: “لا!” لكنه كمل: “وقال حاجة أغرب… قال إن عنده دليل يثبت إن أبوكي هو اللي كان بيشتغل معاهم في الأول.” حسيت إن الأرض اختفت من تحتي. جابر قرب مني وقال: “متصدقيش كلمة.” الضابط قال: “في حاجة تانية.” فتح موبايله وورانا صورة التقطتها كاميرا مراقبة قبل القبض على عبد الصمد. ظهر فيها أبويا واقف قدام محل الجزارة مع عبد الصمد… لكن الصورة كانت بتاريخ قبل وفاته بيوم واحد. وتحت الصورة ظهر شخص ثالث واقف جنبهم، ولما قربنا الصورة، أمي صرخت فجأة: “يا نهار أبيض!” كان الشخص الثالث هو نفس الشخص اللي عليه الشرطة، لكنه في الصورة كان بيسلم أبويا ظرفًا كبيرًا. جابر بص للصورة وقال: “الظرف ده هو اللي قتل محمود.” سأله الضابط: “إزاي؟” جابر رد: “لأن جواه كان الدليل اللي كشف كل الشبكة.” وفجأة سمعنا صوت طرق شديد على باب الشقة. الضابط رفع سلاحه، والعساكر انتشروا في المكان. صوت من خلف الباب قال: “افتحوا… أنا جاي أقولكم الحقيقة.” جابر قرب من الباب، ووشه تحول لرعب شديد. قلتله: “مين؟” لكنه لم يرد. وبعد ثواني قال بصوت مرتجف: “ده صوت الشخص اللي كنت فاكره مات من خمس سنين.” الباب اتفتح ببطء، وظهر رجل عجوز يحمل حقيبة جلدية قديمة. بص لنا وقال: “محمود ما ماتش بالطريقة اللي انتوا فاكرينها… وأنا الوحيد اللي شفت اللي حصل له في آخر ليلة.” ثم وضع الحقيبة على الأرض وقال: “والحقيقة اللي جواها هتغير كل حاجة.” وقفنا كلنا مكاننا، ولا واحد فينا قدر ينطق. الراجل العجوز كان واقف عند باب الشقة، ماسك الحقيبة الجلد بإيدين بيرتعشوا، وبيبص لنا واحد واحد كأنه بيحاول يفتكر ملامحنا. الضابط قرب منه بحذر وقال: “إنت مين؟ وإزاي دخلت العمارة؟” الراجل ما ردش عليه، وفضل عينه على أمي. أمي كانت بتبصله وهي حاطة إيدها على قلبها، وفجأة قالت بصوت مبحوح: “إنت… أنا شفتك قبل كده.” الراجل هز راسه وقال: “أيوه يا سعاد… شفتيني يوم وفاة محمود.” أول ما قال اسم أبويا، أمي انهارت على الكرسي. خالي أحمد اندفع ناحيته وقال: “إنت كنت فين يومها؟ وليه قلت إنك ؟” الراجل رد: “لأنهم كانوا لازم يصدقوا إني مت.” الضابط سأله: “مين هم؟” الراجل بص للباب وقال: “الناس اللي عبد الصمد كان خايف منهم.” بعدها حط الحقيبة على الترابيزة وفتحها. أول حاجة ظهرت كانت ساعة أبويا القديمة. الساعة اللي أمي كانت فاكرة إنها اتدفنت معاه. أمي مدت إيدها ناحيتها، لكن الراجل منعها وقال: “استني… دي مش مجرد ساعة.” قلبها ناحية الضهر، وطلع منها مفتاح صغير جدًا. جابر أول ما شاف المفتاح وقال: “مستحيل… هو لسه محتفظ بيه؟” الراجل بص له وقال: “محمود طلب مني أحافظ عليه لحد ما بنته تكبر.” أنا قربت خطوة وقلت: “أنا بنته… اديني المفتاح.” الراجل بصلي طويلًا، وبعدها حطه في إيدي وقال: “أبوك كان متأكد إن اليوم ده هييجي.” سألت: “أي يوم؟” قال: “اليوم اللي هتعرفي فيه إن موت أبوكي ماكانش حادث.” أمي شهقت، وخالي قبض إيده بعصبية وقال: “قول الحقيقة كلها. ” الراجل قعد، وبدأ يحكي: “قبل وفاة محمود بشهور، كان شاكك إن أخوه عبد الصمد بيستخدم محل الجزارة في حاجة غير قانونية. محمود ماكانش مصدق في البداية، لكنه بدأ يلاحظ حاجات غريبة. عربيات بتدخل المحل بالليل، وأكياس بتخرج من باب خلفي، وناس غريبة بتجيله من محافظات مختلفة. وفي مرة، محمود دخل المخزن من غير ما عبد الصمد يعرف، وشاف دفتر فيه أسماء وأرقام وتواريخ.” الضابط سأله: “الدفتر اللي لقيناه؟” الراجل هز راسه: “لأ… الدفتر اللي لقينتوه كان نسخة. الأصل لسه موجود.” خالي سأله بسرعة: “فين؟” الراجل قال: “في المكان اللي محمود خبّاه فيه.” سألته: “طب ليه كان بيدينا اللحمة كل أسبوع؟” الراجل سكت لحظة وقال: “عشان كان بيستخدمكم كغطاء.” أمي شهقت: “غطاء لإيه؟” قال: “كان عايز يثبت إن اللحمة بتدخل بيت عيلة محمود بشكل طبيعي، عشان لو حد سأله عن مصدرها يقول إنها صدقة لأخوه وأولاده. لكن الحقيقة كانت أسوأ.” الضابط سأله: “إنت بتقول إن اللحوم اللي كانت بتوصل لهم كانت جزء من نشاط الشبكة؟” الرجل هز راسه وقال: “أيوه… لكن لازم نصحح حاجة مهمة.” ساد الصمت. قال: “التحاليل اللي قالها خالكم عن إنها لحوم بشرية… الكلام ده مش دقيق.” أنا بصيت لخالي بصدمة، وخالي نفسه اتجمد مكانه. الضابط قال بعصبية: “إنت متأكد من كلامك؟” الرجل رد: “أنا شفت التقارير الأصلية. العينة كانت ملوثة بمواد غريبة، والتحليل الأولي اتفسر غلط بسبب التلوث. لكن ده مش معناه إن عبد الصمد بريء.” أمي حطت إيدها على رأسها وقالت: “يعني إحنا ماكناش بناكل لحم بشر؟” الراجل قال: “لا… لكن اللي كنتوا بتاكلوه كان جزء من تانية.” الضابط قرب منه: “إيه الجريمة؟” الراجل فتح الحقيبة وطلع صور. كانت صور لمخازن كبيرة، وثلاجات، وعربيات نقل، وأكياس عليها أرقام بدل الأسماء. قال: “كانوا بيغيروا مصدر اللحوم، ويخلطوا أنواع لحوم رديئة وغير صالحة للاستهلاك مع لحوم سليمة، وبعدها يبيعوها بأسعار غالية على إنها لحوم مستوردة. لكن في نفس الوقت كانوا بيستخدموا بيانات أشخاص مفقودين لتغطية حركة الشحنات.” خالي قال: “يعني أرقام الضحايا كانت بتستخدم بدل أرقام الشحنات؟” الرجل هز راسه: “بالضبط.” أنا افتكرت الدفتر الأسود، والأسماء والتواريخ والأوزان. قلت: “طب وأسماء الناس اللي في الدفتر؟” قال: “بعضهم مفقودين فعلًا، لكن مش لأنهم كانوا بيتحولوا للحوم. كانوا شهودًا أو عمالًا أو ناس اكتشفوا الحقيقة.” أمي قالت: “وأبويا؟” الرجل سكت طويلًا. وبعدين قال: “محمود اكتشف كل حاجة.” خالي قرب منه وقال: “مين قتله؟” الراجل نزل عينه وقال: “محمود ما ماتش في حادثة عربية زي ما اتقال لكم.” أمي بدأت تبكي من جديد. “أومال مات إزاي؟” الرجل قال: “في الليلة الأخيرة، محمود قابلني في المخزن القديم. كان معاه الدليل الأصلي، وكان ناوي يسلمه للشرطة. لكن حد سبقنا.” سألته: “مين؟” قال: “عبد الصمد كان هناك، لكن عبد الصمد ماكانش اللي .” خالي صرخ: “مين؟!” الرجل أشار للصورة اللي كانت في الحقيبة. في الصورة ظهر أبويا، وعبد الصمد، والشخص الثالث اللي كنا قبضنا عليه. لكن المرة دي كان واضح إن فيه شخص رابع واقف بعيد في الظل. قلت: “مين ده؟” الرجل قال: “ده الشخص اللي عبد الصمد نفسه كان بيخاف منه.” الضابط أمسك الصورة وقال: “عندنا نسخة من الصورة دي؟” الراجل رد: “دي النسخة الوحيدة اللي نجت.” فجأة جابر قال: “أنا أعرف الشخص اللي في الظل.” الكل بص له. جابر قرب من الصورة، وشاور بإصبعه على الرجل وقال: “ده مش غريب.” سألته: “مين؟” قال: “ده صاحب أبوكم القديم… الراجل اللي كان ماسك حسابات الشغل.” أمي شهقت وقالت: “بس ده مات من سنين!” الراجل العجوز رد: “دي كانت الكذبة اللي خلتهم يبعدوا الشبهة عنه.” الضابط وقف بسرعة وقال: “اسمه إيه؟” جابر قال الاسم، والضابط فتح جهازه وبدأ يدور. وبعد لحظات رفع عينه وقال: “الاسم ده موجود في ملف قديم… لكن الحالة مكتوب عليها متوفى.” الراجل ضحك بسخرية وقال: “متوفى على الورق بس.” وفجأة رن موبايل الضابط. رد، ووشه اتغير. قال: “إيه؟ متأكدين؟” سكت ثواني، وبعدين قال: “ابعتوا الموقع فورًا.” قفل وقال: “عبد الصمد اختفى من المستشفى.” أمي صرخت: “إزاي؟!” الضابط قال: “كان تحت حراسة، لكن قبل عشر دقايق الكهرباء قطعت في المستشفى، ولما رجعت لقوا فاضي.” جابر قال: “هرب عشان يوصل للحقيبة.” الراجل العجوز رد: “مش للحقيبة… للمفتاح.” كل العيون اتجهت لي. لمست جيبي وأنا متوترة، وكان المفتاح لسه معايا. الرجل قال: “المفتاح ده بيفتح خزنة، والخزنة فيها أسماء الناس اللي شاركوا في كل حاجة.” الضابط سأل: “فين الخزنة؟” الراجل قال: “في مكان محمود اختاره لأنه كان متأكد إن محدش هيفكر يدور فيه.” خالي قال: “فين؟” الراجل بصلي وقال: “في بيتكم القديم… تحت البلاطة اللي كان أبوكي بيحط تحتها لعب أختك.” أنا افتكرت إن أبويا كان دايمًا يمنعنا نقرب من جزء معين في الحوش، وكان بيقول لنا إن البلاطة مكسورة وممكن نتعور. خرجنا كلنا ناحية البيت القديم مرة تانية، والشرطة طوقت المكان. دخلنا الحوش، وفضلنا ندور لحد ما لقيت البلاطة اللي وصفها الراجل. خالي شال التراب حواليها، وظهرت حلقة حديد صغيرة. سحبناها، وطلعت خزنة معدنية مدفونة تحت الأرض. حطيت المفتاح فيها، لكن قبل ما ألفه، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت. الضابط رفع إيده، والعساكر انتشروا. من العربية نزل شخص واحد، ماكانش عبد الصمد. كان الشخص اللي شوفناه في الصورة، الشخص اللي المفروض إنه ميت من سنين. وقف قدامنا وابتسم، وقال: “كنت عارف إن محمود هيخلي بنته هي اللي تفتح الخزنة.” أمي صرخت: “إنت قتلت جوزي!” الراجل رد بهدوء: “محمود كان لازم يموت لأنه عرف أكتر مما ينبغي.” الضابط صرخ: “ارفع إيدك!” لكنه ضحك وقال: “قبل ما تقبض عليا… افتحوا الخزنة.” خالي قال: “ليه؟” الرجل رد: “عشان تعرفوا إن عبد الصمد ماكانش الشرير الوحيد.” وفي اللحظة دي، الخزنة بدأت تطلع منها رنة موبايل! كلنا بصينا لبعض. موبايل بيرن من داخل خزنة مدفونة من خمس سنين. الضابط فتحها بسرعة، ولقينا جوه جهاز تسجيل قديم، وملف، وصورة عائلية. أخدت الصورة بإيدي، وأول ما شفتها شهقت. كانت صورة لأبويا مع أمي وأنا وأخويا… لكن في خلفية الصورة كان واقف نفس الرجل اللي قدامنا. وتحت الصورة، بخط أبويا، كانت جملة واحدة: “لو وصلت الصورة دي لبنتي، يبقى دخل بيتنا بالفعل.” فجأة جهاز التسجيل اشتغل لوحده، وطلع صوت أبويا واضح جدًا، رغم إن التسجيل كان من خمس سنين: “يا سعاد… لو إنتي بتسمعي صوتي دلوقتي، متثقيش في أي حد يقول لك إنه كان بينقذني… لأن الشخص اللي خانني كان أقرب شخص لينا.” أمي شهقت، وخالي قرب من الجهاز، وأنا كنت بسمع صوت أبويا لأول مرة من يوم وفاته. لكن قبل ما التسجيل يكمل، انقطع فجأة. وبعدها ظهر على شاشة جهاز التسجيل رقم واحد فقط، رقم هاتف مكتوب تحته اسم: “عبد الصمد”. وفي نفس اللحظة، رن هاتف أمي. رقم غريب. ردت وهي بتترعش، وسمعنا صوت عبد الصمد يقول: “لو عايزين تعرفوا مين خان محمود… ابعتولي البنت لوحدها، وأنا هقولها الحقيقة.” سكت لحظة، ثم أضاف بصوت بارد: “بس خليكم فاكرين حاجة… اللي قتل أبوها مش أنا.” ثم قفل الخط، وفي اللحظة نفسها وصلتنا رسالة على موبايل خالي فيها صورة حديثة لأخويا الصغير وهو واقف قدام مدرسة، وتحتها مكتوب: “لو ماجتش البنت الليلة… الدور هييجي على أخوها.”