وقفت في مكاني مش قادرة آخد نفسي، الشاكوش في إيدي اليمين بيترعش وشنطتي المحشورة بالصور والشريط الملعون مربوطة على كتفي بألم. الحيطان اللي عشت بينها 15 سنة حاسة إنها بتتحول لقفص حديد، والراجل اللي كنت فاكراه ضهري وأماني واقف قبالي سادد باب الشقة بالمفتاح، نظراته اتجردت تماماً من أي رحمة أو أبوة. الوش اللي كان بيصلّي وبيبتسم للناس، اختفى وظهر مكانه وش شخص تاني خالص، راجل خطط لكل حاجة بدقة من 15 سنة ومستعد يكمل طريقه للآخر. قرب مني خطوة بطيئة، عينيه كانت مثبتة على الشاكوش وعلى شنطتي، وقال بنبرة هادية بشكل مستفز، نبرة خالية من أي توتر: “نزلي اللي في إيدك ده يا نسمة.. العند مش هيترتب عليه غير إنك تأذي نفسك وتأذي أختك. أنتِ فاكرة إنك بكام صورة وشريط كاسيت قديم هتقدري تهدي اللي بنيته في سنين؟ أنتِ متعرفيش أنا مين ولا قادرة تعملي ايه.” صريخي المكتوم خرج أخيراً من حنجرتي بصوت هز أرجاء الصالة: “أنت ظلمتنا! 15 سنة وأنت حابس أمي في المستشفى ومخبي الحقيقة؟ 15 سنة بتمارس طريقتك القاسية ومهدد أختي؟ والله ما هسيبك.. الحق هيظهر يعني هيظهر!” ضحك ضحكة قصيرة مسمومة، ضحكة خلت قشعريرة تسري في جسمي كله، وقال وهو بيحط إيده في جيبه ببرود: “مين هيصدقك؟ النيابة؟ الشرطة؟ العيلة اللي بتثق في اسمي وطهارتي؟ هيقولوا بنت جالها انهيار عصبي قبل فرحها بسبب زيارة أمها، وأختك الصغيرة هتبص في عين النيابة وتقول إنك أنتِ اللي بالغة.. وزي ما أمك اتلفتت لها قضية، أنتِ كمان ليكي مكان جاهز جنبها.” في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالراحة، وخرجت مايا. كانت بتبكي بصوت مكتوم، إيديها على بوقها وشكلها يرعب من الخوف. أول ما أبويا لمحها، نادى عليها بصوت حاد: “تعالي يا مايا.. تعالي شوفي أختك الكبيرة اللي جاية تخرب بيتنا وتدمر حياتنا.. تعالي قولي لها مين اللي بيربي ومين اللي بيحمي!” مايا بصتلي وعينيها مليانة ترجي ودموع، كانت مرعوبة لدرجة إنها مش قادرة تقف على حيلها. أنا صرخت فيها وأنا بمد إيدي الشمال ناحيتها: “متخافيش منه يا مايا! السكوت خلاص انتهى! الدليل معايا.. الصور والشريط معايا! مش هنسكت تاني، متخافيش منه ومتمشيش وراه!” أبويا لما سمع كلمة “الصور والشريط” وعرف إن الدليل القاطع فعلاً بين إيديا، ملامحه اتغيرت في ثانية. الصبر والبرود المزيف اتمحوا، وجمعت عينيه شرارة غضب مرعبة. هجم عليا فجأة بحركة سريعة غير متوقعة، حابب يقبض على دراعي عشان ياخد الشنطة. أنا رفعت الشاكوش في الهواء من غير ما أفكر، وسددت ضربة في اتجاهه عشان أبعده عني. الضربة جت في كتفه، صرخ بوجع وارتد لورا خطوة، وأنا استغليت الفرصة وجريت بأقصى سرعة ناحية أوضة النوم وقفلت الباب على نفسي بالمفتاح. أبويا بدأ يضرب الباب برجله وبكتفه بقوة رهيبة، الصوت كان زي الرعد في الصالة، وهو بيصرخ بصوت هيستيري مفيش فيه أي أثر للهدوء: “افتحي يا نسمة! افتحي بدل ما أكسر الباب! مش هتهربي من البيت ده بالحاجة دي حيّة! افتحي!” جسمي كله كان بيترعش، حطيت كتفي وضهري على الباب بحاول أسنده، وعيني بتدور في الأوضة على أي منفذ أو طريقة استغاثة. الشباك! أوضة النوم كان ليها شباك بيطل على مناحي العمارة وعلى البلكونة الخلفية. جريت على الشباك وفتحته، كان الارتفاع دور ثالث، صعب أنزل منه، بس فيه ماسورة غاز نازلة على المنور. في نفس اللحظة، خبط الباب بقى أقوى، وحسيت بالخشب بيشق. صرخت بأعلى صوتي من الشباك: “يا ناس! الحقوني! يا هوووه! الحقوني!” لكن الصوت كان بيضيع، معظم الجيران كانوا إما في الشغل أو قافلين على نفسهم. طلعت تليفوني من جيبي بإيدين متلجة، صوابعي مش قادرة تتك على الشاشة من كثر الرعشة. اتصلت بزياد.. زياد خطيبي. التليفون رن.. مرة.. اثنتين.. وفي المرة الثالثة رد بصوت هادي: “أيوه يا نسمة.. حبيبتي أنتِ فين؟ أنا مستني…” قاطعته وأنا بصرخ وببكي بهيستيريا: “زياد! الحقني يا زياد! اطلب الشرطة وتعال حالاً للبيت! أرجوك تعالى بسرعة أبويا عامل فينا بلاوي وأنا ومايا في خطر! أرجوك يا زياد متتأخرش!” زياد اتفزع وصوته اتغير تماماً: “نسمة؟! فيه ايه؟ أنتِ بتقولي ايه؟ عمي يعمل كده ليه؟ أنتِ فين؟” “زياد مفيش وقت للأسئلة! أبويا بيظلمنا وماحي حياتنا وهو اللي دخل أمي المستشفى والدليل معايا وهو قافل عليا الشقة وبيحاول يكسر الباب! اطلب الشرطة وتعال فوراً!” قبل ما أسمع رد زياد، الخشب بتاع الباب اتكسر بفرقعة عالية، وإيد أبويا امتدت من الفتحة وفتحت المفتاح من جوه. الباب اتفتح بقوة، ودخل عليا ووشه متشنج. مسك التليفون من إيدي ورمى به في الأرض بكل قوته فاتدشش لمليون حتة. مسكني من دراعي وجرني لبرة الأوضة وسط صريخي ومحاولاتي للإفلات منه. كنت بضرب فيه برجلي وبإيدي بس قوته كانت كبيرة، قوة غضب وقهر. رماني في الصالة على الأرض، وشنطتي وقعت جنبي. مايا كانت واقفة في ركن الصالة، ضامة نفسها وبتصرخ وبتعيط: “سيبها يا بابا! عشان خاطري سيبها! أنا مش هتكلم.. والله ما هتكلم! خد الصور منها وسيبها!” أبويا بص لـ مايا بنظرة حادة وقال وهو بينهت بصوت عالي: “أنتِ تسكتي خالص! أنتِ السبب من الأول! لو كنتي كتمتي وما خلتيش أمك تاخد بالها ما كانش كل ده حصل!” قرب مني وطبس مسك شنطتي، وبدأ يفتحها عشان ياخد العلبة والشريط. أنا في اللحظة دي حسيت إن لو الشريط ده اتاخد مني، أمي هتموت في المستشفى، ومايا هتفضل تحت سيطرته طول عمرها، وأنا حياتي انتهت. الوجع والخوف اتحولوا لشرارة دفاع مستميت. زقيته برجليا الاثنين في صدره بكل قوتي. ارتد لورا ووقع على الترابيزة الزجاجية اللي في نص الصالة. الزجاج اتكسر بصوت مروع، وهو صرخ من ألم القطوع اللي جت في ضهره وإيده. استغليت إنه في الأرض، مسكت الشنطة وضمتها لصدري وجريت على باب الشقة الرئيسي. كان مقفول بالمفتاح، والمفتاح مش في الباب! تفكرت إنه حطه في جيب بنطلونه. لفيت وشي لقيته بيقوم من وسط الزجاج المكسور، الدم نازل من دراعه. طلعت أجري ناحية المطبخ لأني عارفة إن فيه باب خلفي صغيّر للخدم بيطل على سلم الهروب القديم بتاع العمارة، والباب ده كان مقفول بترباس قديم بس. جريت والمطبخ كان ضيق، فتحت الترباس بأيد بترتعش، وأبويا كان وصل عند مدخل المطبخ وهو ماسك أداة حادة من على الرخامة. صرخ بوعيد: “مش هتهربي من هنا يا نسمة!” في ثانية واحدة قبل ما يوصل لي، زقيت باب المطبخ وخرجت لسلم الخدم الضيق، وقفلته ورجعت الترباس الخارجي. سمعته بيضرب الباب وبيشتم بصوت عالي. نزلت على السلم بأقصى سرعة، درجات السلم كانت ضيقة ومظلمة، وفي كل خطوة كنت بحس إن قلبي هيقف من الخوف. لما وصلت للدور الأرضي، خرجت لمنور العمارة ومنه للشارع الجانبي. الشمس كانت ساطعة، والشارع كان فيه حركة بسيطة من الناس. الناس بصوا لي بذهول.. بنت جارية بشنطة مقطعة، هدومها متوسخة، ودموعها نازلة زي المطر وشكلها منهار تماماً. أنا مكنتش شايفاهم، كنت بتمشى بسرعة وببص ورايا خايفة يخرج من العمارة ويلاحقني. أنا خرجت.. بس مايا جوه! مايا محبوسة مع الشخص ده في الشقة المقفولة! وقفت في الشارع بصرخ وبدور على أي حد يساعدني. بعد دقائق معدودة، سمعت صوت فرامل عربية بتفرم في الشارع. عربية زياد وصلت وجت وراها عربية شرطة! زياد نزل من العربية زي المجنون، وشه أصفر ومليان قلق، لما شافني جري عليا ومسكني من كتفي: “نسمة! أنتِ كويسة؟ ايه اللي حصل؟ فيه ايه؟” انهارت في حضنه وأنا بصرخ وبشاور على العمارة: “مايا جوه يا زياد! مايا معاه جوه! الحلحوها! ادخلوا بسرعة افتحوا الباب!” ظابط الشرطة نزل مع اثنين من العساكر، وقربوا مني بسرعة. الظابط كان شكله جاد ومركز: “اهدي يا آنسة وتكلمي بالراحة، فيه ايه؟ بلاغك عن ايه بالظبط؟” طلعت العلبة الخشبية والشريط والصور من الشنطة بإيدين بترتعش واديتهم للظابط: “ده الدليل.. ده الشريط والصور اللي تثبت إن أبوي ظلم اختي الصغيرة من 15 سنة، وإن أمي مش مريضة نفسياً زي ما بيزعم! هو حابس أمي في المستشفى بتقرير مزور، ودلوقتي حابس اختي جوه الشقة!” الظابط بص في الصور بتمعن، وشه اتغير تماماً وملامحه بقيت جادة ومصدومة. بص للعساكر وقال بسرعة: “اطلعوا معايا فوراً! هاتوا العتلة نكسر الباب!” طلعنا كلنا على السلم الرئيسي للعمارة. زياد كان ماسك إيدي وبيحاول يهديني بس كان مصدوم ومش قادر يستوعب اللي بيحصل. وصلنا لـ باب الشقة. الظابط خبط بقوة: “افتح يا حاج! افتح بالتي هي أحسن بدل ما نكسر الباب!” مفيش أي صوت من جوه.. هدوء تام. الظابط أشر للعساكر، وجابوا العتلة وبدأوا يكسروا في باب الشقة الرئيسي. الخشب كان قوي، بس مع الضغط والضربات المتتالية، الكالون اتكسر والباب اتفتح بقوة. دخلنا الشقة.. الصالة كانت مبعثرة، والزجاج المكسور ملايين القطع على الأرض. لكن الشقة كانت فاضية تماماً! مفيش حد في الصالة. جريت على الأوض.. “مايا! مايا أنتِ فين؟” دخلنا أوضة النوم لقينا الباب الخلفي للمطبخ مفتوح.. قدر يفك الترباس بعد ما أنا هربت. وفي نص أوضة مايا.. لقينا الكارثة. مايا كانت واقعة على الأرض، مغمي عليها، ووجها مليان آثار تعب، ومربوطة بحبل ستارة متين. وأبويا مش موجود! اختفى! جريت على مايا وقعدت في الأرض، رفعت رأسها على رجلي وبقيت أطبطب عليها بحنان وأنا بعيط: “مايا! فتحي عينك يا مايا! عشان خاطري رد عليا!” الظابط نزل على ركبته وقاس نبضها: “النبض موجود، هي مغمي عليها من الصدمة. يا عسكري اطلب الإسعاف فوراً!” في الوقت ده، العساكر بدأوا يفتشوا الشقة، والظابط بدأ يسجل الملاحظات ويرفع الصور والشريط كأدلة جنائية. الظابط بصلي وقال بنبرة حازمة: “الصور والشريط دول حرز رسمي دلوقتي. القضية دي كبيرة، وفيها تزوير تقارير واحتجاز حريات. بس لازم نعرف المتهم هرب فين.” مايا بدأت تفتح عينها ببطء، عينها كانت زايغة ومرعوبة، أول ما شافتني مسكت في هدومي بضعف وبقت تصرخ: “نسمة! أوعي تسيبيني! هو قال إنه رايح لها.. قال هيروح المستشفى!” قلبي وقف في صدري.. الدم اتجمد في عروقي. مسكت مايا من دراعها وسألتها بصوت مرعوب: “رايح لمين يا مايا؟ رايح لمين؟!” مايا قالت وهي بتبكي بدموع حارقة وصوت متقطع: “رايح.. رايح لأمي المستشفى يا نسمة! أخد السكينة وقال لي طالما السر انكشف، أنا هخلص على كل حاجة قبل ما الشرطة توصل!” الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. الراجل ده جن جنونه، وعارف إن نهاية مطافه السجن، وقرر يروح للمستشفى! الظابط أول ما سمع الجملة، اتكلم في اللاسلكي بصوت عالي وأمر كل الدوريات: “إشعار عاجل لمستشفى الأمراض العقلية! التحرك فوراً للقبض على المدعو (مكرم)، متهم خطر ومسلح متجه للمستشفى!” أنا ما استنيتش الإسعاف ولا استنيت الشرطة. جريت على برة الشقة زي المجنونة. زياد جرى ورايا ومسكني عند السلم: “نسمة استني! الشرطة رايحة وهتتصرف!” صرخت فيه وأنا بزقه بكل قوتي: “أمي في خطر يا زياد! 15 سنة حابسها والنهاردة رايح يأذيها! مش هقعد استنى!” نزلت للشارع وزياد جه معايا وركبنا عربيته، وطار بيها بأقصى سرعة ناحية المستشفى. الشوارع كانت زحمة، وكل دقيقة بتعدي كانت بالنسبة لي كأنها سنة من العذاب. كنت بصلي وبتحايل على ربنا إننا نوصل في أسرع وقت. بعد نص ساعة من القيادة، وصلنا لمستشفى الأمراض العقلية. المكان كان هادي كالعادة، السور العالي والباب الحديدي الكبير. نزلنا من العربية بنجري. البواب كان واقف مستغرب من منظري ومن حركة زياد السريعة. جريت عليه وصرخت: “فيه راجل دخل هنا دلوقتي؟ راجل كبير ومصاب في إيده؟” البواب بصلي بدهشة وقال: “أيوه.. الحاج مكرم وصل من عشر دقائق، قال إنه جايب أدوية ضرورية للمدامة مديحة ودخل على العمبر جوه!” قلبي وقع في رجليا.. دخل من عشر دقائق! جريت على جوه، في الممرات الكئيبة. الأطباء والممرضين كانوا بيتطلعوا فينا باستغراب وأنا بجرى وبصرخ باسم أمي: “ماما! مديحة!” وصلت للعمبر اللي فيه أمي. الباب كان مقفول من جوه! حاولت أفتح الباب، وكان مسدود بحاجز من جوه. بصيت من الزجاج الصغير بتاع الباب.. المنظر اللي شوفت جوه خلى صرختي تتشق في أرجاء المستشفى كلها. أمي كانت واقفة في ركن الأوضة، ضامة نفسها للحيطة، وأبويا واقف قباله، ماسك أداة حادة في إيده، والدم نازل من جروحه، وعينيه مليانة غضب وعصبية شديدة. كان بيقرب منها ببطء وبيقول بصوت واطي ومخيف: “15 سنة وأنا سايبك عايشة يا مديحة.. 15 سنة وأنا صابر عليكي.. بس أنتِ أبتي إلا إنك تخربي كل حاجة في الآخر؟ رسمتِ لها الشامة؟ يبقى خلاص.. رحلتك انتهت النهاردة.” أمي ما كانتش بتصرخ.. ما كانتش بتعيط.. كانت بصة له بنظرة ثبات غريبة، نظرة ست استنت اللحظة دي 15 سنة ومستعدة ليها. قالت له بصوت هادي: “أنا مت من 15 سنة يا مكرم.. أنت اللي جاي تتحاسب النهاردة.” زياد جه من ورايا وبكل قوته ضرب الباب بكتفه. الضربات كانت بتهز الباب. أنا بقيت أصرخ وأضرب على الزجاج: “افتح! سيبها! الشرطة برة يا مكرم!” أبويا ألتفت للباب، وفي اللحظة اللي التفت فيها، أمي دافعت عن نفسها بكل شجاعة! مسكَت إيده اللي فيها الأداة وحاولت تبعده عنها بكل قوتها لحد ما سقطت الأدوات على الأرض. في نفس اللحظة، زياد قدر يكسر الباب ويدخل الأوضة بسرعة. زياد هجم على أبويا وثبته في الأرض، وأمي كانت واقفة بتلتقط أنفاسها بصعوبة وأنا جريت حضنتها ووقعت بيها في الأرض وأنا بعيط وبشهق: “ماما! ماما أنتِ كويسة؟” أمي ضمتني بإيديها المرعشة، وبصت لأبويا وهو متثبت في الأرض، وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالتلي ودموعها بتنزل ببطء: “حقنا رجع يا نسمة.. الحقيقة ظهرت.” بعد دقائق، العساكر والظابط دخلوا الأوضة. الكلابشات اتقفلت في إيدين أبويا، ولأول مرة من 15 سنة، اترفع عنه القناع قدام كل الناس. الدكاترة والممرضين كانوا واقفين مصدومين مش مصدقين اللي بيحصل. الظابط قرب من أمي، وبص لها باحترام وقال: “حمد الله على السلامة يا حاجّة.. القضية اتفتحت رسمياً، وأوراق خروجك هتجهز خلال ساعات بمرسوم من النيابة العامة.” خرجنا من المستشفى.. بس المرة دي وأمي في وسطنا، ماسكة إيدي وإيد زياد، والشمس كانت بتبدأ تغرب وبتملى السماء بلون أحمر دافي. رجعت البيت.. البيت اللي كان مقفول عليه الكابوس. مايا كانت مستنيانا، أول ما شافت أمي جريت عليها ووقعت تحت رجليها تبكي وتعتذر. أمي نزلت على الأرض واحتضنتها، وظلوا هم الثلاثة في حضن واحد يبكوا دموع 15 سنة من الظلم والقهر والخوف. القضية أخذت مجراها. الاعترافات والصور والشريط كانوا أدلة قاطعة لا تقبل الشك. أبويا اتحكم عليه بالسجن المشدد والأحكام الصادرة في حقه كانت كفيلة إنها تخليه يقضي باقي عمره ورا القضبان، وصورته المزيفة اتمحت تماماً قدام العيلة والمجتمع. لكن الجروح.. الجروح اللي اتزرعت في نفوسنا على مدار 15 سنة محتاجة عمر كامل عشان تلتئم. أمي رجعت تنور بيتنا، ومايا بدأت تتعالج نفسياً وتبدأ تتنفس الحرية من جديد، وأنا تعلمت إن الحقيقة مهما استخبى وراها تراب الكذب، بتظهر في يوم من الأيام وترجع الحق لأصحابه. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”