حماتي ضربتني

نظرت الحاجة فوزية إلى أمي وإليّ، وقالت بصوت خافت مجهد: “يا سناء.. أنا ست كبيرة، وأنا أخطأت في حق بنتك وحقك، وأنا النهاردة جاية في بيتك، وبقولها.. أنا آسفة يا سناء، وحقك عليا، وبنتك ندى في عينيا.”
انسحبت القسوة من وجه أمي، وحل محلها الرضا. اقتربت أمي وقالت: “يا حاجّة فوزية.. إحنا أولاد بلد وعارفين الأصول. أنا كان يهمني إن بنتي تتعامل بكرامة. والنهاردة، يوم ما جيتي بيتي وتأسفتِ، كبرتِ في نظري، والمسامح كريم.”
ثم التفتت أمي إلى حسام وقالت: “أما أنت يا سي حسام.. الشقة الإيجار والمؤخر الجديد شرط أساسي بعيد عن تدخلات الأهل. تقبل ولا نرجع للمحكمة؟”
قال حسام بلهفة: “موافق يا حاجة سناء! الشقة جاهزة، ومستعد أكتب كل الضمانات بكرة الصبح!”
وانتهت تلك الأزمة بتنازلنا عن القضايا، وبداية صفحة جديدة قوامها الاحترام المتبادل والكرامة المصانة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
مرّ شهران على تلك الجلسة الشهيرة في بيتنا. شقة الإيجار الجديدة كانت تبعد عن بيت الحاجة فوزية بحوالي ثلاثة أحياء، وكانت بالنسبة لي بمثابة طوق نجاة وأرض جديدة أتنفس فيها الحرية لأول مرة منذ زواجي. قام حسام بتجهيزها بالمتاح، ووقّع على عقد مؤخر جديد وقائمة منقولات تحفظ حقوقي بالكامل تحت إشراف الأستاذ مجدي، محامي أمي.
عدتُ إلى حسام، ولأول وهلة، بدأت الحياة تسير كأنهار هادئة. كان حسام يتعامل معي بحذر شديد، يحاول إرضائي بكل الطرق، ويمتنع تمامًا عن فتح أي موضوع يخص والدته أو الماضي. أما أمي “الحاجة سناء”، فكانت تكتفي بالاطمئنان عليّ هادفيًا كل صباح، متجنبة التدخل في تفاصيل حياتنا اليومية لتترك لي مساحة بناء بيتي من جديد.
لكن الهدوء في حياة الحاجة فوزية لم يكن سوى السكون الذي يسبق عاصفة أعتى.
فقدت الحاجة فوزية هيبتها السابقة أمام الجيران وخالات حسام، والأهم من ذلك أنها فقدت سيطرتها المطلقة على ابنها الوحيد الذي كان يدور في فلكها. لم تتحمل فكرة أن حسام يعيش في شقة بعيدة عنها، يشتري طلبات بيته بنفسه، ولا يأتي إليها إلا في زيارات خاطفة يوم الجمعة. بالنسبة لامرأة يعيش الكبرياء والتحكم في عروقها، كانت هذه الهزيمة أشد قسوة.



