حماتي ضربتني

هنا قام العم الأصغر لحسام، وقال: “والله يا حاج عبد العظيم، أختك فوزية طول عمرها طبعها حامي وتحب المشاكل، والولد كلامه يدخل العقل. إحنا أتكلفنا المشوار ده عشان ننصر الحق، مش عشان ننصر الظلم حتى لو من أختنا!”
تنفس الجميع الصعداء. وقف الحاج عبد العظيم، واقترب من حسام وضغط على كتفه وقال: “أنت راجل يا حسام لأنك حظيت على بيتك ومرتك وما ظلمتش أمك، بس كمان أُمك ليها حق الرعاية.”
تم الصلح الكبير في صالتنا، وشرب الجميع الشربات، واتفق أعمام حسام على الذهاب فورًا إلى منزل الحاجة فوزية
لـ “تعديل سلوكها” ومواجهتها بالحقائق، وضع حد للفتن.
بعد انصراف الجميع وخروج أمي وأهلنا مرفوعي الرأس، دخل حسام إلى غرفتي، وأمسك بيدي ونظر في عيني بدموع حقيقية وقال: “ندى.. النهاردة بس حسيت إننا بنينا ساس بيتنا على صخر حقيقي. أمك ست عظيمة، وأنتِ صبرتي معايا صبر أيوب.”
ظننا جميعًا أن القصّة انتهت عند هذا الحد، وأن الحق قد انتصر تمامًا.. ولكن، وفي صباح اليوم التالي، وردنا هاتف عاجل!
الحاجة فوزية، بعد مواجهة شديدة مع إخوتها الأعمام وفضح محاولاتها للفتنة، سقطت مغشيًا عليها ونقلت إلى المستشفى إثر أزمة صحية حادة!
وقف حسام في ذهول تام، ونظر إليّ والدموع تتساقط من عينيه: “أمي بتضيع يا ندى.. أمي بتموت!”
أصبحت بين نارين: نار الماضي وما فعلته بنا هذه المرأة، ونار الواجب والإنسانية والموقف الحرج الذي يختبر معادن القلوب الحقيقية…
تحول كل شيء في لحظة إلى سراب؛ الخلافات، العزة، والكبرياء. كان حسام يتخبط في الصالة كالمجنون، يرتدي ملابسه بيدين ترتجفان، والدموع تسيل على خديه بلا توقف.
لم أتردد لثانية واحدة. أمسكت بهاتفي واتصلت فورًا بأمي “الحاجة سناء”. أخبرتها بما حدث بصوت متقطع. ساد الصمت على الطرف الآخر لثوانٍ معدودات، ظننت خلالها أن أمي ستتذكر الماضي أو تشمت، لكن صوت أمي جاء نقيًا، حاسمًا، يقطر بأصل أولاد البلد الحقيقيين:
“أنا جاية حالاً يا ندى.. البسي وانزلي مع جوزك، الوقت ده مش وقت خصام ولا زعل، ده وقت أصول ووقفة رجالة!”
وصلنا إلى المستشفى، وكانت أروقة الطوارئ تشهد حالة توتر. كان أعمام حسام يجلسون على المقاعد بوجوه واجمة. عندما رآنا حسام، ركض نحو العناية المركزة، ووقف خلف الزجاج المزدوج ينظر إلى أمه الممددة بين الأجهزة. لم تعد الحاجة فوزية تلك المرأة القوية؛ كانت مجرد جسد ضعيف يصارع المرض.



