واحده صاحبتي اطلقت1

عدت ليلة العناية وكأنها قيامة مصغرة. كنت بصلي على البلاط وأمرغ وشي في التراب وأبكي لربنا: “يارب قومها لي وأنا والله لأمشي ألم الزبالة من الشوارع وأصرف عليها وعلى ابنها، بس متحرمنيش منها.”
تاني يوم الضهر، سمحوا لي أدخل ألمس إيدها لدقيقة واحدة. دخلت غطسانه في الخرطوم والمحاليل، أجهزة القلب بتزمر جنب رأسها وصوت النبض ضعيف وبطيء. مسكت إيدها الباردة والمربوطة بالشاش، وبستها مليون مرة وأنا ببكي وبقولها: “سامحيني يا بنتي.. والله العظيم هجيبلك ابنك من تحت الأرض، والله هجيبهولك بس افتحي عينيكي ورجعيلي روحك.”
ولما بدأت تفوق بعد يومين، فتحت عينيها ببطء شديد. بصت في السقف، وبعدين لفت رأسها وبصت لي.. كنت مستنية أسمع صوتها، مستنية تعاتبني، تصرخ فيا، تشتمني.. بس اللي حصل كان أصعب وأقسى من الطعن بالسكات.
بنتي بصت لي بنظرة فاضية تماماً.. عينها مكنش فيها أي معالم للشناعة ولا الغضب ولا الحزن.. عين مطفية زي الجثة. سألتها بصوت بيترعش: “حمد الله على سلامتك يا ضنايا.. حاسة بإيه؟”
بنتي بصت لي وشفايفها اتحركت بصوت واطي ومتقطع وقالت لي: “أنتي مين؟”
الدنيا دارت بيا ووقعت على الأرض. الدكتور جه يجري وكشف عليها، واكتشفنا إن الصدمة النفسية الشديدة مع نقص الأكسجين وقت النزيف سببوا لها فقدان ذاكرة جزئي وحالة ذهول وصدمة نفسية حادة (Stupور).. بنتي نسيت كل حاجة، نسيت اسمها، نسيتني أنا شخصياً.. بس الغريبة العجيبة إن المكان الوحيد اللي ما اتمسحش من عقلها هو اسم ابنها!
بقت تقعد على السرير طول اليوم، مش بتتكلم مع حد، ومش عارفة أنا مين، بس إيدها على طول مضمومة على صدرها وبلسان أبهت من العافية تفضل تكرر طول الليل والنهار: “محمد.. فين محمد؟ هاتيلي محمد يا أبلة.. ابنك فين يا محمد؟”
المنظر ده كلياً. بقيت أشوفها
قدام عيني كل يوم ألف مرة. الدكتور قال لي: “حالتها النفسية هي اللي مأثرة على ذاكرتها، وممكن ترجع لطبيعتها لو حست بالأمان، أو لو شافت الحجم الأساسي للصدمة.. يعني لو ابنها رجع لحضنها، ده ممكن يكون العلاج الوحيد اللي يرد لها عقلها وروحها، ولو فضلت كده، حالتها هتتدهور وقد تروح منا للأبد.”
خرجت من المستشفى زي المجنونة، مكنش قدامي غير حل واحد.. إني أروح أترجى الندل طليقها وعيلته، أوسخ جزمهم، أقبل رج رجليهم عشان يرجعوا الولد لأمه قبل ما وتفارق الدنيا.
طلعت يجري على بيتهم، دخلت الشارع وأنا حاسة إن خطوتي تقيلة زي الجبل. خبطت على الباب، وفتحت لي أمه تاني. أول ما شافتني بصت لي بقرف وقالت: “إيه اللي جابك تاني يا ولية أنتي؟ مش قولنا مفيش عيال؟”
نزلت على ركبي في الشارع قدام الباب، قدام الناس رايحة وجاية، ومسكت في طرف جلابيتها وأنا ببكي بكاء هستيري: “أبوس إيديكي ورجليكي.. بنتي



