واحده صاحبتي اطلقت1

بنتي ما استسلمتش، مسكت في أكرة الباب وصرخت: “رجعيلي ابني يا ظلمة! ده حتة مني، أنا اللي شيلت وكبرت وشفت المر عشان أكله لقمة!”
خرج طليقها من جوه، وبدل ما يحن أو يراعي حتة اللحمة اللي بين إيديه، زقها بقسوة ورمى الشنطة الصغيرة اللي كان فيها هدوم الولد في الشارع وقال لها: “ابنك مش هيتربى في بيت راجل غريب، وقسمًا بالله لو لمحنا طيفك في الشارع ده تاني، لأرفع عليكي قضية ولا أوريكي وشه لحد ما يكبر!”
جارة من الجيران اتجمعت على الصوت، والناس بدأت تتفرج، وبنتي مرمية على الأرض وسط الشارع بتصرخ وتستعطفهم، والولد جوه بيصرخ بصوت مكتوم وبيقول “يا ماما.. يا ماما!”.. الصوت ده بالذات كان السكين اللي انغرس في قلبها وما طلعش.
رجعت البيت مع المغربية.. ما كانتش بنتي اللي خرجت الصبح. كانت عبارة عن خيال، جثة ماشية على إيدين ورجلين، عينيها مطفية كأن الحياة انقطعت منها للابد. دخلت من الباب، ما بصتليش، ما عاتبتنيش، ولا حتى صرخت في وشي.. السكوت ده كان أصعب من ألف ضربة.
حاولت أقرب منها، ومسكت دراعها وقولت لها بصوت بيترعش: “يا بنتي افهمي، أنا أمتك، أنا عايزاكي تعيشي زي البنات، العريس جاي بالليل و…”
لفت لي ببطء شديد، وبصت في عيني ونظرتها كانت جثة هامدة، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنه جاي من القبر: “أنتي مش أمي.. أنتي بعتيني وبعتي ضنايا عشان لقمة وعشان راجل.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة، ربنا ما يسامحك ولا يغفر لك اللي عملتيه فيا.”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “ربنا ما يسامحك”.
في نفس الليلة، العريس جاء هو وأهله. قعدوا في الصالون، وأنا دخلت عشان أطلعها تقابلهم.. لقيت الأوضة مقفولة من جوه. خبطت بكل قوتي، أصلح، أترجى، أصرخ.. مفيش أي صوت طالع من جوه.
خفت.. العرق بدأ ينزل مني وساقية الخوف دارت في دماغي. ناديت على الجيران، وبمساعدة شابين من الشارع كسرنا الباب..
واللي شفته جوه، هو الكابوس اللي هيلاحقني لحد ما أتنقل لتربتي…
أول ما الباب انكسر واتفتح، وقعت عيني على منظر طيّر العقل من رأسي. بنتي كانت واقعة على الأرض جنب السرير، غرقانة في دمها، وإيدها نازفة بعد ما قطعت شرايين إيدها بأزازة شباك مكسورة. الأوضة كلها كانت عبارة عن بركة دم، وجنبها على السرير كانت شايالة لعبة ابنها الصغيرة ومتبتة فيها بصباعين كأنها ماسكة في أمل أخير قبل ما تروح في الغيبوبة.
الصوت هرب مني، ملقتش حنجرة أصرخ بيها، الجيران صرخوا وأميالي طارت، الشابين اللي كسروا الباب شالوها في ثواني وجريوا بيها على الشارع، وأنا ماشية وراهم زي المجذوبة، حافية وبقع الدم ملطخة هدومي ومفيش في لساني غير كلمة واحدة بكررها زي الهبلة: “يا رب لا.. يا رب خدني أنا وسيبها هي.. يا رب متحرمنيش منها.”
وصلنا المستشفى العام، والدكاترة أول ما شافوا المنظر اتخضوا وأخدوها جري على غرفة الطوارئ والعمليات. قعدت برة على البلاط البارد، الساعات كانت بتعدي عليا كأنها دهور، كل ثانية بتمر وأنا شايف شريط حياتها بيمر قدام عيني.. افتكرت لما كانت طفلة صغيرة بتجري في حضني، افتكرت لما كانت تبكي وتترجاني عشان أرحمها من جوزها، وافتكرت الكلمة الأخيرة اللي قالتها لي وهي بتبصلي بكسرة: “أنتي مش أمي.. ربنا ما يسامحك.” الكلمة دي كانت بتاكل في قلبي زي النار، كنت بحس إن كل نبضة في قلبي بتدعي عليا بالخراب.
العريس وأهله أول ما عرفوا باللي حصل في البيت مشيوا وسابوا الشقة وما حدش منهم فكر يسأل، وأنا بقيت لوحدي في طرقات المستشفى، لا معايا قرش يسندني ولا معايا حد يقف جنبي، والندم بياكل في عظمي.
بعد أكتر من خمس ساعات، خرج الدكتور ووشه مشرد ومجهد. جريت عليه ومسكت في جزمة بالشرار اللي في عيني: “بنتي حية يا دكتور؟ قولي إنها عايشة والنبي!”
الدكتور بصل أسف وقال لي: “إحنا لحقناها بالعافية، الدم اللي نزفته كان كتير جداً وقلبها وقف مرتين في العمليات ورجعناه بالصدمات.. هي حالياً في العناية المركزة وتحت الملاحظة الشديدة، لكن الجرح النفسي والنزيف أثروا على جسمها جامد، وادعيلها تعدي الـ 24 ساعة الجايين دول على خير لأن مخها ممكن يكون اتأثر بنقص الأكسجين.”
الدنيا اسودت في عيني، قعدت على الأرض ألطم على وشي وأبكي بكل قسوة الدنيا. كنت بعيط مش بس على بنتي، كنت بعيط على خيبتي وعلى القسوة اللي ملت قلبي، عشان طمعت في قرشين ولا خفت من مصاريف عيل صغير، قمت بعت بنتي ورميت ضناها في النار.




