اتجوزت راجل ثرى وانا عندى ٣٥سنه

في المساء ذهبت إلى قبره.
وضعت بجانبه زهرة بيضاء.
جلست قليلًا.
لم أحدثه عن المال.
ولا عن القضية.
حدثته عن المؤسسة.
وعن الأطفال.
وعن مريم.
قلت:
— مريم لسه بتقول إنك كنت بتغش في الشطرنج.
ضحكت.
ثم نظرت إلى اسمه المحفور أمامي.
وقلت:
— وعرفت أمي يا عبد الرحمن.
سكتُّ لحظة.
— وعرفت أبويا.
كانت هذه أول مرة أنطق فيها كلمة “أبويا” وأنا أعرف شكل الرجل الذي أتحدث عنه.
عدت إلى البيت القديم بعد ذلك.
لم أبعه.
رممته.
وتركت الصور في أماكنها.
وضعت صورة أمي بجانب صورة أبي.
وبجوارهما صورة عبد الرحمن.
ثلاثة أشخاص فرقت بينهم أخطاء كثيرة، لكنهم في النهاية أعادوا إليّ شيئًا قضيت حياتي كلها أبحث عنه:
جذوري.
واليوم، عندما يسألني أحد:
— هل ندمتِ أنك تزوجتِ رجلًا يكبرك بسبعة وثلاثين عامًا؟
لا أجيب عن السؤال بالطريقة التي يتوقعها.
لأن فارق العمر لم يكن أهم ما في حكايتي.
ولا الملايين.
ولا الفيلا.
ولا الميراث.
الحقيقة أنني دخلت ذلك المنزل وأنا أعتقد أنني امرأة بلا عائلة تعمل لدى رجل ثري.
ثم خرجت منه بعد سنوات وأنا أعرف من كانت أمي، ومن كان أبي، ولماذا ضعت منهما.
أما عبد الرحمن…
فلم يكن الرجل الذي أنقذني بالمال.
كان رجلًا ارتكب خطأ قديمًا، وعاش سنوات طويلة يحاول إصلاحه.
أخطأ عندما أخفى الحقيقة عني.
وأخطأ عندما قرر وحده متى يجب أن أعرفها.
لكن الشيء الوحيد الذي لم أشك فيه بعد كل ما عرفته…
أنه أحبني فعلًا.
وأنا أحببته.
أما أموال أبي، فلم أعتبرها يومًا تعويضًا عن طفولتي.
لأن المال يستطيع شراء منزل…
لكنه لا يستطيع أن يعيد لطفلة السنوات التي نامت فيها وهي تتساءل لماذا لم تأتِ أمها لأخذها.
ولهذا كان أهم ميراث وصلني ليس الأرض ولا العقارات ولا الحسابات.
كان صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وصورة لامرأة تشبهني.
ورسالة كتبتها أم تبحث عن ابنتها:
“لا تظني أنني تركتك.”
تلك الكلمات كانت أثمن من كل ما تركه عبد الرحمن.
واليوم، توجد نسخة منها معلقة على الحائط في مدخل المؤسسة.
وتحتها كتبت جملة واحدة:
“لا ينبغي لأي طفل أن يكبر وهو يظن أنه غير مرغوب فيه.”
تمت
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري




