خطيبي حكايات رومانى مكرم 2

طارق اللي كان بيتمشى بفخر واعتزاز وبيفرد جسمه على خلق الله، بقى محبوس احتياطي على ذمة قضية كفالتها أرقام خيالية والتهمة فيها فيها حبس مش أقل من 3 لـ 5 سنين! أبوه وجده يجرو على بيتنا تاني، بس المرة دي مكنش معاهم طارق، ولا كان معاهم نفخة كدابة. أبوه جيلنا بيعيط، بيبوس إيد بابا قدام الجيران في الشارع ويترجاه: “يا حاج تنازلوا عن القضية! الولد مستقبله ضاع وهيدخل السجــ,,ـــــن! أبوس إيدكم اعفوا عنه والمبلغ اللي تطلبوه كتعويض هنيدفعه!
“بابا بص له بنظرة قسوة وكبرياء، وسحب إيده منه وقاله بصوت سمع الشارع كله: “لما جيت بيتي تطعن في شرف بنتي، مجهتش تفكر في مستقبلها ولا سمعتها! لما جه ابنك يفبرك صور ويشهر بيا وبأهلي، مجهش يفكر إن ربنا بالمرصاد! ابنك مكانش محتاج يتربى في بيتنا بس.. ابنك محتاج يتربى في السجــ,,ـــــن عشان يعرف إن شرف بنات الناس مش لعبة في إيد الأندال!”وقفت أم طارق وأخواته البنات قدام باب شقتنا، يدمعوا ويتوسلوا لأمي في المدخل، وكانت الشارع كله يتفرج على الموقف اللي يقلب الموازين.
المرة دي مفيش كبر ولا تناكة، المرة دي انكسار تام وخزي مالوش أول من آخر. أم طارق مسكت في جلابية أمي وبقت تصرخ بصوت مكتوم: “يا أم فلان، اعتبريه ابنك وغلط! المستقبل هيضيع، المهندس اللي حيلتنا هيدخل السجــ,,ـــــن مع المجرمين! أرجوكم تنازلوا عن البلاغ وخذوا أي تعويض تطلبوه!”أمي سحبت إيدها بثبات وقوة، وبصت لها بنظرة عين تعبر عن كل الوجع والقهرة اللي عشناها في الأيام اللي فاتت وقالت لها بصوت صارم هز السلم: “ابني لما يغلط يتربى، لكن ابنك لما غلط طعن في شرف العفيفة اللي كانت هتشيل اسمه!
ابنك مفكرش في مستقبلي ولا في حرتي لما كان بيسجل ويفبرك ويشهر بيها على الجروبات! روحوا ابكوا عليه في السجــ,,ـــــن، لأن السجــ,,ـــــن هو المكان الوحيد اللي هيعلمه يعني إيه رجولة وأصول!”قفلت أمي الباب في وشهم، ورجعت الصالة وهي مرفوعة الراس، وكان صوت دعوات الجيران في البلكونات واصل لحد عندنا: “يسلم فمك يا أم فلان! أصل ونظافة وحقكم يرجع للقانون!”مرت الأيام وجاء موعد جلسة المحاكمة أمام المحكمة الاقتصادية والجنايات.
المحكمة كانت مليانة على آخرها، أهله وعمامه قعدوا في الناحية الشمال، وجوههم شاحبة وعيونهم زايغة في الأرض، طارق كان واصل من الحبس الاحتياطي، متكلبش في إيد عسكري، لابس طقم السجــ,,ـــــن الأبيض، شعره مطفي، وشه باهت، ودقنه خفيفة، وعينيه متورمة من كثرة العياط والخوف. مكنش هو ده “المهندس المحترم” صاحب النبرة المتبجحة اللي كان حاطط رجل على رجل في صالتنا وبيقول عليّ “محتاجة أتربى”! وقفت أنا وبابا وأخويا أحمد مع المحامي بتاعنا في المنصة. لما القاضي دخل وهز الشاكوش، الصمت التام حل على القاعة.


