ابني ساب مراته٢

طلعت شقتي فوق.. الشقة كانت ضلمة وباردة، المطبخ اللي كان مليان صواني بشاميل وأطباق محشي فاضي ومكركب، وريحة الأكل القديم بقت تخنقني وتفكرني بظلمي. قعدت على الكنبة وحيدة، التليفون رن أكتر من مرة، كان أقاربي بيصلوا يتجسسوا ويشوفوا البلاوي اللي نزلت على دماغي، لكن ما كان عندي قدرة أرد على حد.
مرت الأيام الخمسة الأولانية زي الكابوس. ابني فضل متكلبش ومحبوس في النيابة للتحقيق في قضية التزوير والتهرب من النفقة. كل يوم كنت بروح أقف قدام المحكمة بالساعات عشان ألمحه وهو طالع أو داخل بالكلبشات، وشه يزداد أصفرار وضياع، وكل ما يشوفني يصرخ من ورا السلك:
— اعملي حاجة يا أمي! خليها تبيع شقتها أو تتنازل! مراتي الثانية في بورسعيد رفعت عليا قضية طلاق وخلع وأخدت العفش والفلوس وهربت! أنا اتدمرت يا أمي!
الكلمات كانت بتنزل عليا زي المطر الساخن. مراته الثانية اللي جابها على مراته الأصيلة وساب عياله عشانها، سابته وأكلت شقاه أول ما الشدة وقعت عليه!
وفوق ده كله، المصاريف بدأت تضغط عليا. أختي اللي عزمتها على الأكل المخصوب اختفت وما بقتش ترفع التليفون، والفلوس اللي كانت معايا خلصت في أوتوبيسات النيابة والشاي والمصاريف.. قعدت في شقتي مش لاقية لقمة عدلة أكلها، وأنا اللي كنت بطلع العلب مليانة بانيه ومحشي وخضار جاهز على السواء.
وفي يوم، وأنا نازلة على السلم بجر رجليا عشان أشتري عيش حاف يسد جوعي، لقيت باب الشقة اللي تحت اتفتح.
طلعت مرات ابني، ومعاها شنط كبيرة متغلفة، ووراها المديرة ومعاها تروسيكل كبير مستني تحت البيت. الأكل الطالع كانت ريحته تدوّخ، أطباق ممبار، صواني رقاق، وعلب محشي مشكل ملفوفة بنظافة وشياكة كأنها طالعة من مطعم خمس نجوم.
مرات ابني كانت واقفة بتوجه العمال وهي لابسة طقم جديد ونظيف، العيال طالعين وراها هدومهم مرتبة ورايحين مدرستهم وراسهُم مرفوعة. المنطقة كلها كانت واقفة بتتفرج على “أم فلان” الست اللي قامت من تحت الردم وبقت هي اللي بتورد أكل المدرسة والمناسبات الكبيرة في الحي كله.
وقفت على السلم بصة عليهم من بعيد، الدمعة متحجرة في عيني. العيل الصغير، حفيظي اللي كنت برفض أديله اللقمة يأكلها، بص لي وهو نازل السلم.. جيت أمد إيدي وأقوله “تعال يا حبيبي”، لكن أمه مسكت إيده بالراحة وشدته ناحيتها من غير ما تبص لي ولا كلمة، كأني بقيت طيف مش موجود.




