طفلة وقفت أمام القاضي المقعَد وقالت: أطلقوا أبي… وسأجعلكم ترونه يمشي

لكنها الآن كانت واقفة ثابتة تحدق في القاضي بعزم لم يكن أحد يتصور أن يص,,در عن طفلة.
حاولت الجدة أن تشدها إلى المقعد تهمس بيأس
سيسيليا اجلسي يا ابنتي لا يمكنك فعل هذا.
لكن الصغيرة أفلتت يدها بلطف وخطت بضع خطوات إلى الأمام. كان حذاؤها البسيط يحدث صوتا خافتا على أرضية القاعة الباردة.
توقفت في الممر الأوسط وسط القاعة تماما ورفعت ذقنها.
قالت بصوت صار الآن أوضح وأقوى
سيدي القاضي أرجوك لا تأخذ أبي.
خيم صمت كامل. لم يجرؤ أحد على الحراك.
حتى والتر الذي كان دائما متحكما بكامل انفعالاته بدا للحظة كأنه فقد توازنه الداخلي.
مال بجسده قليلا إلى الأمام ضيق عينيه من خلف العدسات وهو يحدق في الطفلة.
صغيرتي قال بنبرة جافة هذه ليست مكانا للأطفال. عودي إلى مقعدك حالا.
لكن سيسيليا لم تتحرك.
كانت ق,,بضتا يديها الصغيرتين مضمومتين إلى جانبي جسدها ترتجفان قليلا لكنها لم تتراجع.
قالت وصوتها يتكسر قليلا
أستطيع أن أساعدك يا سيدي. إذا أطلقت سراح أبي سأجعلك تمشي مجددا.
انفجرت القاعة.
دوت الضحكات من كل الجهات عالية قاسية ساخرة.
ضحك المحامون علنا مطأطئين رؤوسهم فوق الطاولات. تبادل الصحفيون نظرات الدهشة وبعضهم بدأ بالتقاط الصور مقتنعين أن ما يحدث مشهد غريب سيحكونه طويلا.
صرخ رجل في الصف الثاني بنبرة مليئة بالسخرية
تحول المكان إلى سيرك الآن ستجري الطفلة عرضا سحريا!
وأضاف آخر وهو يضحك
استدعوا مقدم البرامج لنبيع التذاكر!
غطت جدة سيسيليا وجهها بيديها تبكي من الخجل.
حاول رودريغو في قفص الاتهام أن ينهض بيأس جنوني
سيسيليا لا. أرجوك يا ابنتي لا تفعلي هذا. عودي إلى مكانك.
لكن الحراس أمسكوا به بقوة وأجبروه على الجلوس. كان ينت,,حب عاجزا يشاهد ابنته تهان أمام جمهور قاس.
شعرت سيسيليا بحرارة الدموع في عينيها لكنها لم تسمح لها بالسقوط.
ظلت تنظر إلى القاضي متجاهلة الضحكات والهتافات والتعليقات المؤذية. كانت شفتاها ترتجفان لكن كلم,,اتها خرجت واضحة
أنا لا أكذب يا سيدي القاضي. أستطيع أن أجعلك تمشي أعدك بذلك.
راح والتر يتأمل الطفلة بتعبير امتزج فيه الاحتقار بشيء أعمق شيء حاول أن يخفيه.
لقد أمضى سنوات طويلة دون أن يشعر بساقيه سنوات من أطباء يؤكدون أن الأمر مستحيل سنوات من الإحباط والغض,,ب الصامت وليال لا تنتهي وهو يتخيل كيف سيكون لو عاد يمشي.
والآن أمامه تقف طفلة وتعده بالمستحيل.
كان ينبغي أن يأمر بطردها من القاعة فورا. كان عليه أن يعيد النظام بض,,ربة واحدة من مطرقته لكن شيئا ما منعه.
ربما كانت الفضول وربما ذكرى بعيدة عن زمن كان يؤمن فيه بأشياء أخرى غير القانون.
رفع والتر يده فخمد الضجيج في القاعة فورا.
حرك كرسيه المتحرك مقتربا قليلا من حافة المنصة وحدق في الطفلة ببرود
حسنا يا صغيرة قال بنبرة يغلفها السخرية. لديك بالضبط دقيقة واحدة لتبرهني ما تقولين. وعندما تفشلين وعندما تدركين أنك تعيشين في عالم من الخيال الطفولي ستتعلمين درسا مهما. الواقع لا ينحني أمام الوعود الفارغة.
كانت التوترات ملموسة في الهواء. كل العيون كانت مثبتة على سيسيليا.
أخذت الصغيرة نفسا عميقا ومسحت سريعا دمعة عن خدها وبدأت تمشي باتجاه منصة القاضي.
كل خطوة لها كانت تسمع في الصمت.
المحكمة التي كانت منذ لحظات تمتلئ بالضحك أصبحت الآن تتابع المشهد بمزيج من عدم التصديق وفضول مريض.
بعضهم كان ينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي ستفشل فيها الطفلة.
لكن قلة قليلة شعرت بضيق في صدورها كأنهم يحسون أن شيئا ما على وشك الحدوث.
توقفت سيسيليا أمام الكرسي المتحرك. كانت صغيرة إلى حد أنها اضطرت إلى رفع رأسها بالكامل لتلتقي بعيني والتر.
ثم بشجاعة لا تليق بسنها الصغيرة مدت يديها نحوه.
عليك أن تصدق قالت بصوت رقيق ولكن ثابت. إن لم تصدق لن يحدث شيء.
أطلق والتر ضحكة قصيرة جافة مرة
أصدق يا صغيرة لقد آمنت بأشياء كثيرة من قبل وخذلتني جميعا.
لكن سيسيليا لم تستسلم.
أغمضت عينيها ووضعت يديها الصغيرتين برفق على ركبتي القاضي المشلولتين.
كان اللمس خفيفا شبه مهيب ثم همست بشيء منخفض لدرجة أن والتر وحده سمعه
أرجوك دع أبي يبقى معي.
في تلك اللحظة بالتحديد تغير شيء ما.
شعر والتر بذلك. لم يكن وخزا ولا ألما بل إحساس مختلف. إحساس غريب يكاد يكون منسيا كما لو أن مكانا كان ميتا تماما


