جوزى راح يصطاد الاخير

نظرتُ يميناً ويساراً والوحل يغوص فيه حذائي، وبناتي يصرخن بصوت مكتوم تحت المطر الغزير الذي كان يغسل دموعنا. شريف كان يتقدم بخطوات واسعة، والقطعة الحديدية في يده تلمع مع كل ومضة برق تقطع السماء. المسافة بيننا وبينه كانت تتقلص برعب، ولم يعد أمامنا مفر سوى التراجع نحو عمق المنطقة الصناعية المهجورة، حيث المصانع القديمة والظلام الدامس.

سحبتُ البنات وجرينا باتجاه ممر ضيق يقع بين مستودعين مهجورين. كان الممر مليئاً بالخردة وصناديق الحديد الصدئة، وهو ما أعاق حركتنا، لكنه في نفس الوقت أعاق شريف الذي كان يلاحقنا وهو يسب ويشتم بغضب أعمى.

صرختُ في لوجي وأنا أركض:

— “لوجي.. خدي أخواتك واستخبي ورا الخزان الكبير ده.. ومحدش فيكم يخرج مهما حصل!”

دفعتهم خلف خزان مياه حديدي قديم وضخم، والتفتُّ أنا لأواجه شريف. كنت أعلم أنني لو استمررت في الركض معهن، فسيقضي علينا جميعاً بمجرد أن يمسك بنا. كان يجب أن أشتت انتباهه بعيداً عن البنات، حتى لو كان الثمن حياتي.

وقفتُ في منتصف الممر المظلم، أتنفس بصعوبة والمطر يغرق وجهي، ورفعتُ الموبايل القديم في يدي لأجعله يراه تحت ضوء البرق، وصرختُ فيه:

— “شريف! الموبايل معايا.. والصورة والرسائل اللي فيه اتبعتت خلاص لأختي وللمحامي! لو حصلنا حاجة، السر كله هيكبر والبلد كلها هتعرف إنك قتلت أخوك عشان الفلوس!”

كانت كذبة خطيرة، لكنها كانت ورقتي الأخيرة لأجعله يتوقف.

توقف شريف بالفعل على بُعد خطوات مني. أنفاسه كانت تخرج كالدخان في الجو البارد، ووجهه المبلل بالمطر بدا كأنه وجه شيطان. نظر إلى الموبايل في يدي، ثم ضحك ضحكة هستيرية عالية تداخلت مع صوت الرعد:

— “تبعتيها لمين يا سمر؟ الموبايل ده ملوش خط أصلاً ومفيش فيه شبكة من سنين! بتغفليني؟ أنتِ فكراني غبي؟”

قبل أن أستوعب رد فعله، اندفع نحوي بسرعة رهيبة ورفع القطعة الحديدية ليضربني بها. غريزة البقاء جعلتني أنحني بسرعة، لتمر الحديدة فوق رأسي وتصطدم بالجدار الأسمنتي خلفي، محدثة شرارات قوية وصوتاً مرعباً.

وقعتُ على الأرض من قوة اندفاعي، وطار الموبايل القديم من يدي ليسقط وسط الوحل على بُعد مترين. زحفتُ بسرعة لألتقطه، لكن شريف كان أسرع؛ وضع حذاءه الثقيل فوق يدي بقسوة جعلتني أصرخ من شدة الألم.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *