جوزى راح يصطاد الاخير

ولكن، بقيت هناك خطوة أخيرة.. ففي مركز الشرطة، وأثناء التحقيق ومواجهة شريف بالدليل القاطع، انهار تماماً وبدأ يعترف بكل شيء، لكنه قال جملة واحدة جعلت المحقق يقف، وجعلت قلبي يقف للمرة الألف في هذه الليلة الطويلة..

قال شريف وهو يبكي بهستيريا ويوجه إصبعه المرتعش نحوي:

— “أنا مقتلتوش لوحدي! جمال لسه عايش.. جمال محبوس في السرداب اللي تحت بيت أمي القديم!”

ساد صمت قاتل في غطاء التحقيق. شعرتُ فجأة بأن الجدران تدور بي، ولم أعد أسمع سوى طنين حاد في أذني. أستاذ عادل المحامي وقف من صدمته، وضابط المباحث انحنى فوق مكتبه وصرخ في شريف:

— “أنت بتقول إيه؟! انطق وقول الحقيقة، الصورة اللي في الموبايل دي إيه؟!”

انهار شريف بالبكاء التام واعترف بكل شيء:

— “الصورة دي كانت ليلة الأحد فعلاً.. ضربته عشان يوقع على تنازل عن الأرض وعن الفلوس، وكان مغمى عليه. كنت ناوي أقتله، بس لما جيت أنفذ خفت.. خفت من حبل المشنقة. نقلته في وسط الليل لبيت أمي القديم المهجور في الفيوم، وحبسته في السرداب اللي تحت الأرض. بقالي سنة كاملة بروح هناك كل كام يوم في السر، أرمي له أكل وشرب عشان يفضل عايش، وأنا مطمن إن الكل فاكر إنه غرق في البحيرة والموضوع اتقفل!”

لم أنتظر سماع بقية الاعتراف. صرختُ في الضابط والدموع تملأ عيني:

— “أرجوك يا فندم.. جوزي بيموت بقاله سنة تحت الأرض.. أرجوك الحقوه!”

خلال دقائق، تحركت قوة مكبرة من الشرطة، وسيارات الإسعاف، وأصررتُ على الركوب معهم رغم توسلات الأستاذ عادل بأن أبقى مع البنات. تركتُ بناتي في أمان مع شقيقة جمال الأخرى التي جاءت مسرعة، وانطلقت السيارة تنهب الأرض نهباً نحو الملاذ الأخير لجمال.

وصلنا إلى البيت القديم مع خيوط الفجر الأولى. اقتحم الضباط المكان، وتوجهوا مباشرة نحو المطعم القديم خلف المطبخ، حيث أشار شريف إلى باب خشب سري مغطى بالسجاد والأتربة.

رفع الجنود الباب، وهبطنا السلالم الضيقة المؤدية إلى السرداب المظلم. رائحة الرطوبة كانت خانقة، ومع أول ضوء من كشافات الشرطة، لمحته..

كان هناك، مستلقياً على فراش مهترئ في زاوية الغرفة الضيقة. جسده كان نحيلاً للغاية، ولحيته طويلة وبيضاء، وملامحه شاحبة كالموتى. بمجرد أن رأى الضوء، غطى عينيه بيديه المرتعشتين وهو يئن بضعف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *