جوزى راح يصطاد الاخير

انحنى شريف، وجذبني من شعري بقوة ليرفع وجهي تجاهه، وقال بنبرة مليئة بالغل والتشفي:
— “كنت عايز الموضوع يخلص من سنة يا سمر.. كنت عايزك تعيشي وتربي البنات وأنا من بعيد لبعيد أضمن إن مفيش خيط يوصل لي. لكن غباءك وغباء بنتك هو اللي جابكم لحد هنا. دلوقتي.. هتلحقي جمال، والناس كلها هتقول إن الست المسكينة من كتر حزنها على جوزها، عقها خف وأخدت بناتها ورمت نفسها في البحيرة في ليلة مطرة زي دي!”
في تلك اللحظة المرعبة، وأنا أشعر بالأنفاس الأخيرة تقترب، لمح عيني شريف شيئاً يتحرك خلفه.
لم تكن لوجي قد اختبأت كما طلبتُ منها.. كانت تقف خلف شريف مباشرة، ممسكة بماسورة حديدية رفيعة وجدتها في الخردة، وبكل ما تملك من قوة طفولية ودموع تملأ عينيها، ضربت شريف على ركبته من الخلف.
شريف صرخ من الألم والسرعة، واختل توازنه ليفلت شعري ويسقط على ركبة واحدة في الوحل.
استغللتُ الفرصة فوراً، ودفعتُه بكل ثقلي ليسقط بالكامل على الأرض، وجريتُ نحو لوجي وأمسكت يدها، وسحبنا أختيها الصغيرتين اللتين كانتا تبكيان برعب، وركضنا بأقصى سرعة خارج الممر الضيق نحو الشارع العمومي، والوقت كان يداهمنا لأن شريف بدأ يستعيد توازنه ويقوم من الأرض وهو يزأر كالوحش الجريح.
بمجرد وصولنا لحافة الشارع المظلم، لمحتُ أضواء سيارة قادمة من بعيد بسرعة كبيرة، كشافاتها القوية شقت المطر والظلام. وقفتُ في منتصف الطريق وأنا ألوح بيديّ بجنون والصراخ يملأ حنجرتي: “الحقوناااا.. امسكوا قاااتل!”
السيارة فرملت بعنف وصدر من إطاراتها صوت حفيف حاد على الأسفلت المبلل، وتوقفت على بُعد إنشات قليلة مني.
انفتح باب السيارة بسرعة، وخرج منها رجل لم أكن أتوقع رؤيته أبداً في هذا المكان وفي هذا الوقت!
انفتح باب السيارة بعنف، وخرج منها الأستاذ عادل المحامي ومعه شابان من أقارب جمال!
كان الأستاذ عادل ممسكاً بهاتفه، وملامح القلق والجدية تكسو وجهه. بمجرد أن رآني بناتي ملقاة في وسط الطريق تحت المطر والوحل يغطيني، صرخ في الشابين:
— “امسكوا شريف بسرعة! هو هنا!”
الشابان اندفعا فوراً نحو الممر المظلم الذي خرجنا منه، حيث كان شريف يترنح محاولاً النهوض واللحاق بنا، والحديد في يده. لكن بمجرد أن رأى الإضاءة ورأى أقارب جمال الأقوياء يركضون نحوه، أدرك أن اللعبة انتهت تماماً. حاول الالتفاف والهرب من المخارج الخلفية للمنطقة الصناعية وسط الظلام والمطر.


