جوزى راح يصطاد الاخير

ارتميتُ على الأرض وأنا أتنفس بصعوبة، وضممتُ بناتي الثلاث إلى صدري ونحن نبكي جميعاً بكاءً هستيرياً. اقترب الأستاذ عادل منا بسرعة، ونزل على ركبتيه وهو يحاول تهدئتي ويغطي البنات بعباءته، وقال بصوت يرتجف من الصدمة:
— “الحمد لله إنكم بخير يا سمر.. الحمد لله إنني لحقتكم.”
سألته وأنا أرتجف والدموع تعمي عيني:
— “أستاذ عادل.. أنت جيت هنا إزاي؟ عرفت مكاني منين؟”
أخرج الأستاذ عادل هاتفه وأراني الشاشة؛ كانت هناك رسالة نصية قصيرة وصلت إليه قبل نصف ساعة من رقمي أنا! مكتوب فيها عنوان المستودع القديم بوضوح وجملة واحدة: *”شريف قتل جمال.. احنا في المستودع والحقونا.”*
نظرتُ إلى لوجي بنظرة ذهول، فابتسمت البنت من بين دموعها وقالت بصوت متقطع:
— “أنا اللي بعتها يا ماما.. لما كنتِ بتتكلمي مع عمو شريف في التاكسي وكنتِ خايفة، سحبت تليفونك من الشنطة بالراحة وبعت الرسالة دي لعمو عادل عشان كنت عارفة إننا رايحين المستودع اللي في الصورة.”
ضممتُ لوجي لصدري وقبلت رأسها وأنا لا أصدق أن ذكاء هذه الطفلة وشجاعتها هما ما أنقذ حياتنا الليلة.
خلال دقائق، دوت سرائن شرطة النجدة في المكان بعد أن كان الأستاذ عادل قد أبلغهم وهو في الطريق. شقت الأضواء الحمراء والزرقاء ظلام المنطقة الصناعية، وحاصرت القوات المداخل كلها. لم يمر وقت طويل حتى خرج الشابان مع الضباط وهم يقتادون شريف مكبلاً بالحديد، وجهه كان مليئاً بالوحل، وعيناه تملأهما نظرات الغل والهزيمة، ولم يستطع حتى أن ينظر في عيني.
تقدمتُ نحو ضابط المباحث وأنا أرتجف، وفتحتُ حقيبتي. أخرجتُ منها جاكيت جمال، الموبايل القديم الذي يحتوي على صورة الجريمة والرسالة الممسوحة، والأهم من ذلك.. دبلة جمال الفضية التي حفرت بها الأرض قبل قليل.
سلمتُ الأدلة للضابط وقلت بغصّة مريرة:
— “ده دليل قتل جوزي جمال.. جمال م ماتش في عاصفة، شريف قتله هنا في المستودع ده من سنة كاملة عشان يسرق فلوسه.”
نظر الضابط إلى الهاتف والصورة، ثم نظر إلى شريف وقال بحسم:
— “أهلاً بيك يا شريف.. القضية اللي اتقفلت من سنة، هتتفتح الليلة، بس المرة دي بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.”
تم اقتيادنا جميعاً إلى مديرية الأمن لتقديم الإفادة الرسمية، وتأمين البنات. طوال الطريق، كنت أضغط بيدي على دبلة جمال وأنا أشعر بغصة الفراق، ولكن لأول مرة منذ سنة، شعرت بنوع من الراحة.. الحقيقة ظهرت، ودم جمال لن يضيع هباءً.





